فهرس الكتاب
لاشكَّ في أن الخطاب هنا يبدي تعاطفًا ترجيحيًا للمستوى الثاني لأنّه يجهد في التعمية والضبابيّة على مفهومات المستوى الأول؛ لأن أيديولوجياه ربما تخالف أيديولوجيا منتج الخطاب الذي يُستشف أنه أقرب إلى مسألة الإيمان؛ لأنها مقولة متكررة في جميع خطابه وهي تشكل أفقًا للحلّ مُهِمًّا على المستوى الفردي خاصة، والجماعي عامة، والأيديولوجيا المخالفة هي: (( أيديولوجيا غنيّة عن الغيبيات، رياضيات، المُهِمُّ أن تحدد الكميات المعلومة والمجاهيل، فتنبسط المعادلة الصحيحة ) )ص131.
وهذه الأيديولوجيا تبحث عن الحلول بالقيام بموازيات واقعية تستطيع خلق مثل هذه الحلول:
(( أفكاره فقد تبين لي أنها منصبّة على إيجاد تنظيم سياسي يجمع عددًا كبيرًا من المثقفين العرب، ربما كانوا منتشرين لا عبر الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط فقط بل في عواصم أوربا وأمريكا كذلك ) )ص132.
الذات رؤية الماضي:
يبحث الخطاب في القيم الحضارية الإيجابية للحضارة العربية ويتوغّل في عمق هذه القيم، وفي دراستها تحت فاحصات غير تقليدية؛ أي يفحصها تحت أضواء ومفاهيم حضارية مبتكرة، فالسائد القيمي أن عصر ما قبل الإسلام مثلًا، عصر فاقد الحضارة لكننا نرى هنا أن مفهوم الحضارة مفهوم خاص تقليدي ليس كما يعرضه الخطاب، وفق مفاهيم إنسانية الحسّ والروح وعناصر هذا المفهوم الخاص هي النضج والعنف: نضج الحس والروح وعمقهما معًا.
وكذلك يمثل لهذه الرّوح من الشواهد الحضارية العربية القديمة في الأندلس: (( في أي طرف أقصى كان عرب الأندلس في عصر زرياب وأين كان العرب في عهد الرشيد والمأمون؟ هل في الحضارة من "وسط"؟ حتى امرؤ القيس الجاهلي، إذا لم يكن من خلق راوية خصب الخيال، هل كان إلا في إحدى قمم الحضارة، حيث النضج والعنف يتبادلان ويتكاملان؟
شعره، غزله، ليله، حصانه، كلّها شواهد على قمة من نضج الحياة والحسّ والنزعة وعنفها جميعًا )) ص198.