فهرس الكتاب
قد يكون هذا التساؤل نوعًا من التفاؤل يتشبث به الخطاب في سبيل الإبقاء على بقّيةٍ من روح المقاومة على الرّغم من أنه تساؤل لا يُلغي واقعًا متجذرًا في الرّوح الحضاريّ العربيّ، ولكنّ الخطاب يفترض استجابة للاستنكار الذي أطلقه: (( بالطبع سأعود إلى بغداد... ألا ترى أن الموانع الأصلية مازالت قائمة ) )ص238.
واضحٌ أن هذه الاستجابة استجابة حيّة؛ لذلك يسعى (الخطاب) إلى تأكيدها وإظهار المفارقة الحقيقية بين البحث عن البديل في المجتمع المباين المخالف لمجتمع (الإشكالية) ذاته.
(( نعم في بغداد حريتك؛ لا لن توجه إلا فيها، إنها لن توجد في الـ "هناك" الضبابي، الوهمي المغري، في أوربا أو غيرها هناك التلاشي في التفاهة هناك الهزيمة الحقيقية.. أتعلمين يا لمى أن عصام كان هاربًا منك؟ أما أنا فأقول إنه كان هاربًا من مدينته من أرضه وحريته لن تكون إلا في مدينته في أرضه ) )ص237.
لهذا الإعلان الصريح للعداء نحو الآخر أهمية كبيرة فهو خلاصة تجريبية، وقد يحمل العداء بُعدًا تنافريًا في فهم تكوين العناصر المؤلفة لمجتمع الذات ولمجتمع الآخر، ويبلغ وعي الخطاب للمكونات الحضارية المتنافرة ذروته في هذه النقطة والتنافر يجعل محاولة الانتماء إلى أحد الطرفين هزيمةً، هباء وتلاشيًا؛ لأنه سيفقد مكوناته ولا يستطيع الاندغام في الآخر، لهذا فالحرية تعني المواجهة لا الهروب مهما تكن النتائج.
? ولم يأت هذا الموقف عارضًا أو طارئًا، وإنما أسس له سابقًا في الجزء المتقدم من الرّواية ووضعت له صُوَّةٌ لينبني عليها: (( اصطدمت بجاكلين وجهًا لوجه.. وصعدنا إلى السفينة معًا تبادلنا بضع كلمات تترنح بين العربية والإنكليزية والفرنسية.. لا أنا أجيد لغتها ولا هي تجيد لغتي فنتفاهم إلى حد ما، أو لعلنا نتفاهم، فتبقى العلاقة بيننا على شيء من الالتواء والتحفز.