فهرس الكتاب
إلى جانب هذا النزوع الروحي العالي نحو الماضي بطريقة تصوفية تتوحد بالزمن الذي يمتلك الروح وتريد استحضاره في الحاضر نجد محاولة أخرى من نوع آخر لخلق التجاور بين الماضي والحاضر ويتم ذلك في إطار التنازع بين الذات والآخر على احتياز الفعل الحضاري: (( أين يقع رجل كعامر ناجي عبد الحميد من بنية المجتمع في مدينة كبغداد؟ في كل مدينة من مدن الغرب الكبيرة هناك دائمًا ثلاثة رجال أو أربعة من طرازه.. لهم قصورٌ أرستقراطية لم تزعزعها نظريّات وأساليب المساواة الاجتماعية المزعومة.. فيها إبداعات وغراميات وفضائح، وأفكار تتبلور في اتجاهات ومدارس وتقليعات لايكون الفنّ بمنجى منها ولا الأدب ولا السياسة... عامر ناجي عبد الحميد وأحد من هؤلاء، بل إنه في بغداد يكاد يكون وحيدًا في مجتمع خاصّ لا يشبه في كيانه شيئًا من الكيانات المجتمعة المحيطة به، فهو ليس بظاهرة، بقدر ما هو شيء من عالم آخر أو ربما من عصر آخر. فبغداد وفي تاريخها العريق عرفت كل شيء عرفته حضارات اليوم ولعل عامر، إن لم يكن مستعارًا من باريس أو لندن فهو مستعار من ماضي مدينته هو، مدينته التي كانت قبل أكثر من ألف سنة حاضرة الدنيا في كل ما يفعله الإنسان أو يفكر فيه في وسط دسائس الحكم، وتمرّد الجند وصراعات أهل الدّين، كان هناك مَنْ يسمعُ في حجراته أروع الشعر أروع الموسيقى، أروع الجدل: كان هناك من يلتئم على مأدبته الملائكية والشياطين المؤمنون والزنادقة، الموالون والثائرون، على أن يتصفوا جميعًا بما يعجز أن يتصف به الآخرون من فتنة أو ألمعية أو لسان ) )ص198.
إن الحركة هي المطمح، والتّغايرُ والاختلاف هما دافعا الحركة، والحركة هي الارتقاء الحضاري، (الصعود إلى مسرح الحضور) الحاضر يتصف بالتماثل والتشابه في عناصر الذات وهما مبعث السكونية ومُثبتاها.