فهرس الكتاب
أمّا الموقف الثّالث من الماضي، فهو موقف انتقائيّ يَعْمد إلى الاختيار وتوصيف الماضي وفق رؤياه، والانتقائية هنا بمعنى الانتقائية الغرضية بالمعنى السّلبي، وهذا الموقف يوزع الماضي إلى خطيّن: الخط الأول مرفوض على الرغم من إيجابيته ويرفض الانتماء إليه ولكنه يختلق حدًا جديد المفهوم. الماضي يتمثل في الانتماء الأسري وهي موضوعة خطابية بدأت في صراخ (عنايت هانم وآل ياسر) وانتقلت إلى (صيادون) (عماد النفوي) ثم اضمحلت قليلًا في السفينة وكان تجليها وفق أبعاد أخرى مختلفة عن سابقتيها والآن في"البحث"تعود إلى الظهور بالعنف ذاته الذي ظهر في (صراخ) ؛ لأن هذه الموضوعة كان عنفها في ذروته في (صراخ) وتأتي هنا مشفوعة برفض الماضي العام، الذي يشكل الانتماء القومي لصالح (الأسري) في البداية من منظور الانتماء إلى عشائرية الطبقة الإقطاعية، ثم من منظور الانتماء البورجوازي: (( يرفض النظر إلى تاريخ أمته، قد يرى التاريخ كلّه يبدأ بجده، وهو يناقض العثمانيين عشوائيًا في أواخر القرن الماضي ويتنامى التاريخ بالاحتلال البريطاني للعراق؛ إذ يبرز أبوه محاربًا وطنيًا يشعر أن كلَّ معركة يكسبها ضدّ الحكّام بدخوله السّجن أو بالإقامة الجبرية في بيته تدنو بالبلد من يوم تحرير يحلم به على غراره الخاص ولا يتحقق الحلم، عامر يعيش لحاضره، لحاضره فقط... بغداد تعني له داره التي ورثتها عن أبيه وجدّدها وحديقته الفسيحة.. بغداد تعني له مائدته العامرة ومطبخه العصري المزوّد بمؤن تكفي حيًّا بكامله في سنة مجاعة، ومجموعة خموره الفرنسية الألمانية وضروب الأجبان الفرنسية والإنكليزية والسويسرية والدانمركية ) )ص198-199.