فهرس الكتاب
يناقش الخطاب موضوعة الثقافة والانتماء الثقافي إلى إحدى المنطقتين الثقافيتيين: ثقافة الذات أم ثقافة الآخر؟ ويهاجم الفرز الآلي السطحي وإطلاق الحكم النهائي بمجرد الاهتداء إلى مصادر الثقافة فإذا كان المصدر غربيًا سواء أكان في الكتب أم في الجامعة؛ فالحكمُ على المثقف (بالتغريب) . وإذا كانت الثقافة تقليدية عربية دينية؛ فالحكم المجهّز لها الرجعية والسلفية: المقولة تزداد رواجًا يومًا بعد يوم، لأنها تلذّ للجلهة، المقولة مبنيّة على ما يبدو في الظّاهر أنه سيرورة منطقية: المرءُ حصيلةٌ ثقافيّة وبما أنّ الثّقافة مصدرها اليوم الكتب الغربية، أوالجامعة بمناهجها العلمية التي مصدرها الحقيقي هو أيضًا الغرب، فالمثقف حصيلة غربيّة أي أنّه لاصلة لفكره في أعماقه بطبقته وأرضه...
وإذا كان مثقفًا ثقافة عربية دينية تقليدية؟.. سيقولون، ولا ريب أنه هو أيضًا حصيلة رجعيّة حصيلة فكرٍ سلفيٍّ مثاليٍّ يستنكف عن الطبقة والأرض.. نتيجةُ هذا المنطق أنّ الثقافة هي تقطيعٌ لصلاتِ الإنسان بطبقته وأرضه. أي أنها نوع من الجناية )) ص355.
يندرج هذا التصوير الذي يعرضه الخطاب في المأزق الفكريّ والثقافيّ الذي يعانيه المثقف في مجتمع الذات، ونتيجة لهذه التقسيمات ولهذا الفرز يجري الصّراع الفكريّ الحادّ الذي يشكّل جوهر الصّراع الحضاري، ولذلك تكون النتيجة خُلّبيّة؛ لأنّها نتاجُ صراعٍ وهميٍّ غير منبنٍ على أُسس جادّة وعلميّة وموضوعيّة وإنّما هو صراع ارتجاليّ قد تكون أطرافه ليست على نقائض، ولكن على اتّفاق.
رؤية الآخر:
لا يبدو الآخر شديد الحضور على مساحة الخطاب، كما رأينا في (السفينة) و (صيادون) على الرّغم من وجود مسوّغ لذلك، وهو أن الشخصية الرئيسية بل أكثر الشخصيّات لها علاقة وطيدة بالآخر؛ إما من خلال الاتّصال المباشر بالدّراسة بين ظهرانيه وإمّا بالاطّلاع غير المباشر على ثقافته، ويبدو أنّ الخطاب استنفدَ هذه الرّؤية في السّابق.