فهرس الكتاب
هذه الدراسة لقضية الخلل في التوزع السكاني ينزع إليها دارس (مُسْتَقِرّ) أي أنه ينتمي إلى مجتمعه نفسيًا وروحيًا وهو لا يعاني الاغترابات الكبرى (الاغتراب عن الوطن) و (الاغتراب عن العالم) (عن القيم) عن (الكون) وهذا في تصوري بعيد نوعًا ما من عبد الرحمن منيف. وإن كان ذلك لا يعني أنه غير مغترب عن عالمه وعن وطنه وهو المنفي كما هو معروف، غير أن اغترابه مختلف عن اغتراب جبرا المغترب روحيًا وكونيًا والمنفي المجتث من جذوره الذي ينظر إلى كل شيء حوله بقلق وخوف وترقب وهذا لا يطمئن للبحث في قضية هجرة الريف إلى المدينة مثلًا لأنه في داخله مهاجر من ذاته من عالمه مهجر من وطنه، وأنا عندما أرجح أن لا يهتم بمثل هذه القضايا التفصيلية في حياة المدينة؛ فإني أتكئ إلى صوى موضوعية تؤيد ما أقول: أول هذه الصّوى مفهوم جبرا للإبداع، وهو أكثر الأحيان مفهوم شاعري حتى في معالجته لأبسط القضايا، وثانيها أن جبرا لا يعالج القضايا إجرائيًا وإنما يُرجعها أكثر الأحيان إلى معلّقاتها الشمولية، ويُسقط عليها حِسَّه ووعيَه القلقين ويتناولها ضمن الكليات؛ فهو مثلًا يعمل في مجال النفط، لكنّه لم يأتِ على هذه القضية في أي من رواياته كتفصيل بحثيّ، وإنما بقي يعالج المسألة من خلال ارتباطاتها بالقضايا الكبرى (علاقة الذات بالآخر) ومقولة التقدم والتأخر).
يعود التوصيف الهجائي للمدينة إلى الظهور، ليَظْهَرَ قدرًا ما مجهولًا يتحكّم بالحركة الإنسانية داخل العالم: (( وكادت القرى تفرغ من فلاحيها، وإذا هي تعمر، شيئًا فشيئًا، بأناس أغراب، لا يُعرف بالضبط من أين يأتون، الطبيعة تكره الفراغ. ولكنها تملأ الفراغ حسب أهوائها هي، لا أهوائك أنت. حركة عشوائية تموج في البلد كلِّه كأنما نحن في أول مرحلة من مراحل تاريخ قادم بالعجائب، أو في نهاية مرحلة نراها تبتعد في أحشاء أفق بعيد تحت أبصارنا ) )ص79.