"فمن أجل أن تترجم، لا تكفي معرفة اللغة الأجنبية، بل عليك أن تعرف لغتك بطريقة أفضل" [1] .
ولابد من معرفة ثقافية واسعة وشاملة بالموضوع المترجم وبفضائه الاجتماعي والتاريخي والفني ومما لاشك فيه أنّ هذه العناصر توفرت لجبرا وأنّه كان ملمًّا بالفضاء الخاصّ بترجماته على تنوعها، فالثقافة الأوروبية ثقافة تكوينية عنده وجميع آفاقها متناولة بنسبية ما، ولابد أيضًا من مَلَكةٍ خاصّة لدى المترجم كي يترجم عَمَلًا فنيًا له قيمته الإبداعية الكبرى ضمن مسيرة الإبداع الإنساني، وما هو معروف أن جبرا رجل مبدع يتحرك على فضاء إبداعي متنوّع وهذا مايوضح ما قلناه سابقًا، ويؤكد ما صرح به جبرا حول الترجمة التي لم تكن عنده وظيفية، وإنما هي حالة تثقيفية يقوم خلالها بنقل الحالات الثقافية المحبذة لديه الذي تؤدي أغراضًا فكرية ورؤيوية.
"أنا موجود جدًا في ما أترجم.. لماذا؟ لأني لا أترجم كوظيفة بل أترجم ما أحب لذلك تجد الكتب التي ترجمتها من النوع الذي يتناغم مع تفكيري وموقعي من الحياة، والترجمة ليس آلة ولا كمبيوتر، المترجم إنسان. خاصّة إذا كانت له مواقف فكرية وإبداعية فلابد أن يتفاعل مع المنقول ويتداخل في محاولاته لنقل الشحنة الأصلية فيضع كثيرًا من نفسه... إنّ المترجم يضع رؤيته في النص". [2]
لا شك في أنّ مثل هذا الكلام دقيق ومُهمّ فهو على المستوى النظري صحيح وكذلك إذا قمنا بفحصه في المستوى العملي الإبداعي لجبرا نجده أيضًا دقيقًا وصحيحًا يعكس تجربة الكاتب:
(1) جريدة البيان، سبق ذكرها.
(2) الدوحة، إبريل 1985، حوار أحمد عنتر مصطفى، ص 139.