فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 470

"تكون العودة إلى الجذور لازمة، على أن نتعامل معها بوعي حديث تغذّيه معارف العصر كلّها... إنّ هذه العودة يجب أن يشفعها عقل مشبع بقضايا عصرنا وأساليبه، في زمان كوني باتت الفنون فيه يتصل بعضها ببعض عبر الفوارق القومية. جذورنا، والحالة هذه، تمدنا بتلك الحيوية التي تستنبع من تراثنا المتميز بنكهته، لتتفاعل مع نزعات إنسان اليوم وإيقاعات وجوده الجديد الذي تتحكم به قوى فكريّة وتكنولوجية، يجب أن نكون أندادًا أكفاء لها، العودة إلى الجذور إذًا ليست مجرد رومانسية لجعل الماضي يبدو أجمل وأهم من الحاضر، وهو خطأ يقع فيه الكثيرون من الفنانين والنقاد، فيتنازلون بذلك عن حقهم المطلق في الخلق وإبداع مالم يعرف في الماضي من أساليب في القول والنغم والرؤيا. وفي حالة كهذه تكون العودة إلى الجذور انكفاء، لا أصالة تكون انعزالًا عن المستقبل" [1] .

لقد عكست الرواية هذا المفهوم في الرؤية الحضارية والسياسية للواقع الذي جسدته في نصّ، وهذا سيظهر في فصول قادمة من البحث، وظهرت الثقافة التراثية في توصيفات خطابية قام بها النص للوصول إلى دلالة، ففي السفينة مثلًا نجد توظيفًا خاصًا للثقافة التراثية وفق المفهوم الذي يحدده جبرا بدقة وذلك في دراسة علاقة الإنسان بالمكان، لقد درسها علاقة إنسانية معزولة عن إطارها الزمني وهو في هذا العزل يوكد رؤيته الإيجابية للتراث، فالتّجديد الإنساني هو إضافة وتراكم:

"إن شعراء العرب القدامى كانوا يعشقون أسماء الأماكن ويكررونها في شعرهم كأنها أسماء الأحبة؟"

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

أو في هذه الأبيات لذلك المسكين الذي لا يعرف عنه إلا أن المنذر قتله لأنه التقى به يوم بؤسه عبيد بن الأبرص تذكيره؟

أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ ... فالقطّبياتُ فالذُّنوبُ

فَراكِسٌ فثعيلباتٌ ... فَذَاتُ فِرقَينِ فالَقِليبْ

(1) ينابيع الرؤيا، ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت