إذا كان هناك تحول ما في أيديولوجية جبرا الدينية فهو ليس إلغاء لموروث ديني سابق، وإنما هو إزاحة وظيفية تتعلق بالظرف الاجتماعي والتاريخي والبيئة المسيطرة، وإضفاء دلالات ومحمولات إضافية بفعل الزمن والتراكم الحضاري إن الانتقال إلى الإسلام عند جبرا لم يقم إلا بفعل إضافي بل بإدغام الفعل الحضاري والديني الإسلامي بالفعل الإنساني الحضاري الذي ورثه، أي أنه قام بجمع المكملات فيما بينها وهذا الجمع لم يتوقف عند حدي الإسلام والمسيحية وإنما كانت هناك تحولات أخرى قد لا تتلاءم مع الحدين السابقين.
يرجع علي الفزّاع تحول جبرا الافتراضي إلى التفارق القيمي بين مسيحية أوروبة ومسيحية الشرق فيقول:
"لعل السبب الحقيقي لتحول جبرا عن مسيحيته يعود إلى تخلي أوروبة المسيحية عن نصرة القدس حين داهمها الصهاينة الغزاة ولشعوره بأن المسيحيين الأوربيين ينظرون إلى مسيحي آسيا نظرة احتقار وازدراء، وبالتالي فهو يرى أن اعتناقه للمسيحية وسط عالم إسلامي أمر لا طائل تحته" [1] .
يستنتج الفزاع هذه النتيجة من كلام في (صيادون) لجميل الفرّان يقول فيه:"منذ ألف وخمسمائة سنة والمسيحية دين للأوروبيين دون غيرهم. فما علاقتنا نحن العرب والآسيويين وسكان البحر الأبيض المتوسط بها. لقد بدأت عندنا ولكن اليونان والرومان أخذوها منا وكل ما بقي منها مجموعة بالية من الطقوس لم نضف إليها شيئًا طوال ألف سنة وماهو الدور الحضاري الخلاق الذي لعبته مسيحيتنا وسط عالم إسلامي؟ كان يجب علينا بعد القرن الثامن أن نسلم أنفسنا لقوى الإسلام الجديدة تسليمًا تامًا لا جزئيًا، كما فعلنا وعلى هذا فإننا لم نتمتع بالفائدة الكاملة لانتمائنا إلى أرض أجدادنا" [2] .
(1) جبرا إبراهيم جبرا، دراسة في فنه القصصي، علي الفزاع، ص 14.
(2) صيادون، ص 26 و27.