فهرس الكتاب
وتسيطر على (عالم بلا خرائط) خرائط اجتماعية غير إنسانية، لكن الخطاب يأبى تركها دون عرض الموقف النقيض والمحارب، ويمزج بين المواجهة الكلامية التي تتمثل بالشِّعر، وبين المواجهة بالرشاش التي تتمثل، بالمقابل المناضل، وتجعل هاتين المواجهتين في ذات واحدة. هي ذات (أدهم) أخي (علاء الدين نجيب) محور الخطاب، وهذا الحُلمُ في الشاعر الثائر المقاتل يتسق ويتوازى مع حلم جبرا ومطمحه في تحقق الشاعر الفاعل الذي يعدّ هاجسًا يطمح إليه وقد رأينا في كثير من كتبه النقدية كيف تناول شعراء الفعل (كعنترة) و (عروة بن الورد) و (عبد الرحيم محمود) ... وكيف يصرّ في كل مساحاته وفضاءاته الإبداعية على أن يثبت العلاقة بين الفن والفعل وتحقيق الحلم وخَلْقه بالفنّ وقد أشرنا إلى هذه القضية في ماسبق، وأشرنا إلى أن لجبرا كتابًا يحمل عنوانًا مهمًا في الدلالة على هذه القضية (الحلم والفن والفعل) :
(( بقي أدهم بعيدًا عن كل هذه الدسائس العائلية المالية على طريقته، رشاشه في يد، وقصائده الهجائية في معظمها في يد(صراع التجّار) كان يسمّيه ويضيف (جشع الطفيليين) وينصرف إلى شؤون الجبهة التي كرّس لها حياته ))ص 342.
ويبدو أن موضوعة النضال والحرمان من النضال، بمفهومه الفعلي، ذات دلالة نفسية عميقة في الروح الإبداعي لجبرا، لأنها موضوعة تتكرر منذ (صيادون) إلى (عالم بلا خرائط) ، لذلك يمكن إرجاعها إلى الطموح الداخلي له، وتفسير هذه الظاهرة في ضوئه، ويبدو أن مطمح جبرا الواقعي لم يسمح لجبرا بذلك؛ فكانت هذه الظاهرة التعويضية في أبطاله وفعله الإبداعي، ومايدعونا إلى هذا التفسير هو الإصرار القوي على عرض هذا الفعل في كل رواية من رواياته، ففي (السفينة) نجد العمل الفدائي الذي يقوم به (وديع عساف) وصديقه الشهيد (فايز) وكذلك في (البحث عن وليد مسعود) حيث يقوم مروان ووليد باقتحام (أم العين) ويقوم والده (وليد مسعود) بعملية نسف شارع يهودي في القدس.