فهرس الكتاب
كما سنرى في مبحث الذات والآخر (الرؤية الحضارية) يولي الخطاب أهمية كبرى لمسألة الهجرة؛ سواء في ذلك الهجرة الداخلية والهجرة الخارجية، وهنا ترجّح أهمية البحث في الهجرة الخارجية، لأنها ذات بعد مأساوي في حياة المجتمع العربيّ؛ إذ تحاول عناصر المجتمع البحث عن الحلول والخلاص فيكون الخلاص من العالم الماثل إلى العالم الآخر ضمن رحلة (يوليسيزية) مع فارق أن (يوليسيز) قد عاد من بحر ضياعه، أما أبناء الوطن المهاجرون فيتمون هجرتهم إلى المجهول واللاعودة ويترافق هذا التصوير المأساوي مع تصوير ذاكري لمعارك (السفر برلك) التي كانت لها نتيجة، لم يتعرض لها المجتمع البدائي، كارثة (على الرغم من أنها من فعل الإنسان) تظهر وكأنها فعل غيبي قدر لا علاقة للإنسان به، ويتحول الخطاب إلى دراسة الحالة الاجتماعية دراسة (عرقية) : (( مثل الغربان لم يبقوا مثلما كان أجدادهم، ولم يعرفوا أن يكونوا مثل أهل المدن، إن القبائل في عمورية من الكثرة والتداخل إلى درجة لا يمكن عندها أن يضع الإنسان فاصلًا بين قبيلة وأخرى، كما أن هذه الفواصل لا تعني شيئًا لأن معظمها وَهْمٌ، سوف يَنْظُرُ إليها الآخرون بكثير من الهزء والسخرية، فالحياة في حركتها الجديدة وقوانينها الجديدة لا تترك مجالًا لأحد لكي يتوقف، ولو للحظات، لكي يقول: إن قبيلة كذا انحدرت من فلان، وكان أصلها كذا، ولذا فإن الحياة يجب أن تكون كذا ) )ص180 و181.
وهذا التحليل لفحوى الظاهرة الاجتماعية يتوصل إلى فهم آخر جديد لنمط الحياة الحديثة، وبخاصة مجتمع المدينة الحديثة التي لم يعد فيها مجال للبحث عن الأعراق والأصول ولم تعد هذه العناصر الاجتماعية مهمة في تجديد العلاقات الاجتماعية وفي سَنِّ القيم: (( عمورية الآن تقوم على أسس جديدة: المال وتداخل العلاقات الشخصية ) ).ص 181.
-الخطاب السياسي: