فهرس الكتاب
قبل أن ينحرف
إذا جن الليل وأقبل الظلام، فإن للآباء والأمهات مواقفَ عدة مع أبنائهم وبناتهم ذلك البيت المؤمن المليء بالسَّعادة والطمأنينة، إذا أسدل الليل ستاره أوى ابنهم إلى داره يخاف من هوامّ الليل وطوامّه ويأنس بالقرب من والديه .. ثم إذا دنا ثلث الليل الأخير قام على صوت والده يقرأ القرآن وعلى صوت والدته تتهجد بآيات عظيمة! لم يهنأ الابن بنوم ولم تقر له عين .. نهض من فراشه الوثير وصف قدميه واقفًا يصلي، ثم إذا خرَّ ساجدًا غلبته الدمعة وارتفع بكاؤه فيسارع إلى إخفائه! أجمل به من بيت فيه السكينة والرحمة.
وصوتُ القرآن يرتفع وآياتُ الله تتلى وأحسب أنهم ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع .. ! أما الفتاة فهي صوامة لا تردّ صوتًا لأمها .. غلبها البر حتى أصبحت كالمملوكة بين يدي والدتها، تنهض قبل أن تؤمر، وتقوم قبل أن يصل الصوت، حياتها عفاف، وليلها دعاء! ثم هي حنون عطوف على والدها .. تحكي له وتحدّثه بهمومها وآمالها، تتلهف بشوق متى يعود ليُقبلها! وإذا أخذ مكانه واستوى في جلسته دنت منه تسمع كلماته وتطرب لقصصه وأحاديثه.
أما البيت الآخر إذا غربت الشمس وأرخى الليل سدوله، سارع الأب إلى الزملاء والأحباب وترك الرعية، فالاستراحات تنتظره، والصحب يستبطئون مجيئه ولا تطيب السهرة إلا بهم ومعهم! والأم