فهرس الكتاب
حدا بها الشوق، لتبوح عن مكنون النفس بكلمات تقدمتها ابتسامة صادقة لتلامس قلبه قبل أذنيه .. وقد كان لها نصيب أوفى من حديث محمد: «إذا نظر إليها سرّته» !
وعندما استقرّ بهَ المقام جلست بين يديه تتلهّف إلى كلمة يقولها أو همسة من طرف لتجيب بنعم! تتنقل نظراتها إلى ما يحبُّ .. ولما تعثر صغيرهما وهو يجري بخطوات صغيرة، أزجت التربية دعاءً مسموعًا: هذا يا زوجي أعدّه لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون علمًا من أعلامها، وداعية من دعاتها، أقرَّ الله عينك به شهيدًا في سبيل الله، مقبلًا غير مدبر! سابق الفرحُ الأب سنواتٍ قادمة فإذا به يرى الدعاء حقيقة؛ والأمنية راية يرفعها الصغير علمًا وجهادًا .. لا تسل عن الفرحة وكأنها أهدته كنوز الدنيا بهذا الأمل المشرق.
ولما أدركهما السكنُ في ليلٍ هادئ كانت له حورية، عذبة الكلمة، طيبة الرائحة، إن نظر إليها أعاد وكرَّر فلا يمل، وإن تحدثت فنِعْمَ الحديثُ عذوبة ورقة، وتمنت على زوجها أن يختم يومه بقراءة جزء من القرآن، فناولته المصحف وقالت: لعلك تراجع حفظي فقد تفلَّت القرآن مني، فكان لها ذلك.
أما وقد جنّ الليل وأظلم؛ قامت إشراقة الفجر إلى مصلاها، فكبرت وأطالت القراءة وأتبعتها بركوع ثم سجود طويل، وكان يسمع الدعاء فخصَّته قبل نفسها ورفعت حاجته قبل حاجتها، حتى سلمت
يمنة ويسرة ثم التفتت إليه وقالت: أريد أن أطبق السنُة ولو مرة
واحدة، ونضحت ماء قليلًا مسحته على عجل بيدها، حتى لا