فهرس الكتاب
تهفوا إلى قلبه العفيفات
في ليلتهما الأولى وضع يده اليمنى على ناصية رأسها، وهي كوردة فواحة، واسمعها دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك خيرَها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذُ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه ... » ثم همس في أذنها في عذوبة سمعتها بقلبها لأول مرة: جعلك الله من نواصي الخير المباركة، وأقرَّ بك عيني وسمعي وقلبي!
ومضت الأيام الأولى وهي ترى أن الزوج يتلمس سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مع أهله فسُرّت به وجعلت قلبها بين يديه! ما رفع يديه إلا داعيًا ومكبرًا، وما أطلق بصره إلا نحوها، كريم المحيا، كثير الاستغفار كأنما ألهم الذكر إلهامًا.
تحسَّس يومًا موضع ألم قديم في رأسها، وجعل كفّه على موضع الألم، وبدأ يقرأ عليها وينفث، وهي تنصت للآيات، وكأنها المرة الأولى التي تسمعها! ثم ذكرها بأجر الصبرعند البلاء، حتى انفرجت أساريرها، وأتم الأمر بأن اسمعها دعاءً تحبه، والعين الحانية نحوها: اللهم اجعلها زوجتي في الجنة!
تأملتْ في حال زوجها متسائلة! كيف هو ذاك الرجل قويّ الهيبة صادعًا بالأمر بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ثم هو في هجعة الليل غزير الدمع كثير البكاء حتى إنك لترحمه من كثرة توجعه وتألمه، وهو يشكو إلى الله - عز وجل - ذنوبه وتقصيره!