الصفحة 49 من 62

ويقول - رحمه الله- أيضًا في موضع آخر: (( وإذا تأملت حكمته - سبحانه- فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات، وأكمل النهايات، التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم، والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة، تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان.

فتأمل حال أبينا آدم وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته.

وتأمل حال أبينا نوح - صلى الله عليه وسلم- وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولوا العزم الذين هم أفضل الرسل ... فإذا جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، تلون الأحوال عليه من سلم وخوف، وغنى وفقر، وأمن و إقامه في وطنه وظعن عنه وتركه لله؛ ... وهو مع ذلك صابر على أمر الله يدعو إلى الله، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت