فهرس الكتاب
وحتى نزيد في إيضاح معنى (امتحان القلوب) لنتأمل هذا الحديث العَظِيمٌ الذي رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عنه النبي، - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا (1) فأي قلب أشربها (2) نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها (3) نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا (4) كالكوز مُجَخيّا (5) لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه" (6)
ففي الحديث التعبير بالفعل المضارع (تعرض) ، وهو هنا يدل على استمرار البلاء والامتحان: كما أن هذه الفتن لا تأتي دفعة واحدة، وإنما شيئا فشيئا حتى يصبح القلب أسود ـ والعياذ بالله ـ أو يسلمه الله فينجح في الامتحان فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"فالنفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا. والرب ـ جل وعلا ـ يدعو عبده إلى خوفة، ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين".وهذا هو موضع الفتنة والابتلاء.
ونختم هذه المقدمة في معنى امتحان القلب وابتلائه بهذه الدعوة الربانية للمؤمنين متضمنة تحذيرا مخيفا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال:24) .
أنواع ما يطرأ على القلب من العلل والأدواء
(1) - عودا عودا أي: تعاد وتتكرر شيئا بعد شيء.
(2) - أشربها أي: دخلت فيه ولزمته.
(3) - أنكرها أي: ردها.
(4) - مربادا أي: شديد السواد في بياض.
(5) - مجخيا أي: كالكأس المنكوس، لا يعلق به خيرا وحكمة.
(6) - رواه مسلم (1-128 - 129) ، كتاب الإيمان، رقم (144) .