الصفحة 194 من 243

5-مقارنة الخبر، وعرض متنه ومدلوله على السنن الإلهية، والأحوال الجارية، والسير والسياسات المعهودة ونحو ذلك قال العلامة ابن خلدون: إن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني،ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق.

وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحَكِيمٌ النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط (1) .

قال أحمد الصويان: وللناس طرائق شتى في تحمل الأخبار ونقلها، ويتفاوتون في ذلك تفاوتا كبيرا، فإن نقل الخبر فن دقيق، لا يحسن الخوض في غماره إلا قلة من الناس، فهو يحتاج إلى فطنة وتيقظ، ثم إلى حفظ وتثبت، ثم إلى صدق وأمانة (2) .

6-أشير إلى ضابط مهم يغفل عنه الكثير، وهو جوب مقارنة الخبر بسيرة من نسب إليه ابتداء، فإن ثبت الخبر ثبوتا قاطعا، وكان مما لا يليق بسيرة هذا الرجل وما عرف عنه، بحثنا له عن مخرج وحملناه على المحمل الحسن، واعتذرنا لصاحبه قدر مستطاعنا، دون مجاملة أو مداهنة في الحق (3) .

ولازلنا نسمع نسبة بعض الأخبار لِبَعْضٍ من بمثلهم يقتدى، فيتعجل بعض الناس بتصديقها وروايتها، ثم نكتشف الحقيقة، بأن هذا الخبر مكذوب جملة وتفصيلا، أو قد يكون صحيحا ولكن روي على غير وجهه، وقد يكون لصاحبه عذر وأنت تلوم.

(1) - انظر: مقدمة ابن خلدون ص 9.

(2) - انظر: رسالة نحو منهج شرعي لتلقي الأخبار ص 5.

(3) - ومثل ذلك ما قد ينسب لهيئات الاعتبارية مما لها مكانة محمودة وسيرة مشهودة أو لبعض المنتسبين إليها، مما يتعدى الأشخاص إلى تلك الهيئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت