فهرس الكتاب
فجاءت الآيات ناهية عن: السخرية، والتنابز، واللمز، وسوء الظن والتجسس، والغيبة، والتفاخر لأن هذه الآفات من أعظم ما يبث الوشائج، ويثير الضغائن، ويفجر الخصومات، وبخاصة أن منشأها أمور قلبية، وما ظهرت على الجوارح إلا بعد أن عاشت واستوطنت القلوب زمنا، والقضاء عليها قضاء على آثارها، ومجرد إيقاف الاقتتال - لو حدث - لا يكفي لإطفاء نار الفتنة، فقد تشتعل بين لحظة وأخرى، إذا كانت النفوس تنطوي على أسباب الفتنة وجذورها.
وفي ضوء هذا المنهج، وتفاعلا مع هذه القاعدة، وتلمسا لأسباب الفتنة للوصول إلى علاجها، وبحثا عن منطلقات الأخوة ترسيخا لها ودعما لبقائها، وفي ظلال هذه الآيات في سورة الحجرات سأقف مع موضوع (إنما الْمُؤْمِنُونَ إخوة) ومن الله أستمد العون والتوفيق.
أولا: علاقة المسلم بغيره
إن مما يميز المسلمين عن غيرهم أن الإسلام يرسم لهم منهجا في العلاقة بغيرهم، منهجا يقوم على العدل والصدق وحسن الخلق.
ومن أبرز معالم هذا المنهج ما يلي:
1-العدل وتحريم الظلم، حتى مع الكفار، بل والحيوانات أيضا، يقول - سبحانه: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة: من الآية8) .
وفي الحديث القدسي الذي يرويه، - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - جل وعلا:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" (1) .
إن بناء العلاقة على العدل وتحريم الظلم يستلزم أمورا كثيرا وبخاصة في باب المعاملات بين المسلمين وغيرهم، فلا كذبا ولا غشا، ولا سرقة، ولا مماطلة أو تسويفا في أداء الحقوق والواجبات.
وهذا ما سجله لنا تاريخنا الناصع عن سلفنا الصالح، فرسول الله، - صلى الله عليه وسلم - قدوتنا في تعامله مع غير المسلمين.
(1) - أخرجه مسلم (4-1994) كتاب البر والصلة، رقم (2577) .