الصفحة 50 من 243

4-لعل من المناسب أن أختم الحديث عن أحكام هذه الآية بكلام نفيس ذكره القرطبي في تفسيره فقال: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به (1) إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله - عز وجل - وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم (2) .

هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة أن طلحة شهيد، ومما يدل على ذلك ما صح وانتشر من إخبار علي بأن قاتل الزبير في النار.

وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم، وجهادهم، وعَظِيم غنائهم في الدين - رضي الله عنهم -.

وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة:134) .

وسئل بعضهم عنها - أيضا - فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني، يعني من التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه.

قال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين أخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.

(1) - أي لا نقطع بالخطأ في مكان الاجتهاد، أما إذا كان فعله خطأ مما ورد النص به فيجوز، لأن الصحابة ليسوا معصومين بآحادهم، وقد وقع بعضهم في أخطاء وأقيم على بعضهم الحدود.

(2) - وهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان لا جميعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت