فهرس الكتاب
قلت: بشرط ألا يقصد قائله التعيير واللمز ونحوه، قال ابن العربي: والذي يضبط هذا كله ما قدمناه من الكراهة لأجل الأذية (1) . قال القرطبي: وعلى هذا المعنى ترجم البخاري - رحمه الله - في كتاب الأدب من الجامع الصحيح في (باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير لا يراد به شين الرجل) قال: وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما يقول ذو اليدين" (2) . قال أبو عبد الله بن خويز منداد: تضمنت الآية المنع من تلقيب الإنسان بما يكره، ويجوز تلقيبه بما يحب، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقب عمر بالفاروق، وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذي النورين، وخزيمة بذي الشهادتين، وأبا هريرة بذي الشمالين، وبذي اليدين، في أشباه ذلك.
قال الزمخشري: ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، قال عمر رضي الله عنه أشيعوا الكنى فإنها منبهة.
ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
قال الماوردي: فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره، وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل الألقاب. قال القرطبي: فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة لا العيب فذلك كثير.
وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصغر، فقال: إذا أردت صفة ولم ترد عيبة فلا بأس به.
(1) - انظر: أحكام القرآن للجصاص 3-405، وأحكام القرآن لابن العربي 4-1723.
(2) - انظر: صحيح البخاري (7-85) كتاب الأدب.