فهرس الكتاب
أين هؤلاء من المنهج الرباني، الذي نراه بارزا في الكتاب والسنة، مما يعدو على الحصر ويعلو على القصر، ولكن أشير إليه إشارة توقظ النائمين، وتنبه الغافلين، وتكون دليلا للدعاة الصَادِقِينَ:
1-أرسل الله موسى وهارون - عليهما السلام - إلى أفجر الناس في زمانه، من ادعى الألوهية، وأجبر الناس على عبادته، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: من الآية24) فبماذا أمر الله موسى وهارون - عليهما السلام -؟
هل أمرهما بإطلاق النار عليه وإردائه قتيلا؟
أو أمرهما بتعنيفه وتغليظ القول له تهديدا ووعيدا؟
لا هذا ولا ذاك، وإنما قال لهما - سبحانه: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:43، 44) ثم ماذا؟ (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (طه:47) .
وماذا بعد ذلك؟
(إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (طه:48) .
أرأيتم هذا الخطاب وهذه المخاطبة ؟ أي لين بعد هذا اللين؟
(إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) (طه: من الآية47) ، (جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (طه: من الآية47) ، (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (طه: من الآية48) ولم يقولا: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت؟
إنه أسلوب يأخذ بالألباب، ولذلك لم يجد فرعون - الطاغية، ومدعي الألوهية، ومقتل بني إسرائيل - لم يجد أمام هذا الأسلوب الرائع إلا أسلوب الحوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، وإن كان لم يؤمن، لكنه استسلم وأنصف من نفسه في حواره ولو ظاهرا (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) (طه: من الآية49) إلى آخر الآيات كما في سورة طه.