واختلفوا في أول من بناه فذكر ابن كثير عن أبي جعفر الباقر محمد بن على بن الحسين أن أول من بناه الملائكة قبل آدم وروى عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب أن آدم بناه من خمسة أجبل ثم عدها ثم حكم بأن كلا من الأثرين غريب وروى عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة ووهب بن منبه أن اول من بناه شيث"ثم قال: وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها واما إذا صح الحديث في ذلك فعلى العين والرأس"
والحق أن هذا الاختلاف مما لا تنبنى عليه فائدة في شعائر الحج ولا في أحكام مناسك الحج - فلا ينبغي قطع الوقت وشغل البال في زيادة الاشتغال به وإنما ينبغي الوقوف عند ظاهر ما ثبت في الكتاب والسنة من أن أول من بناه ورفع قواعده بإذن الله إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام .
جعل الله سبحانه وتعالى للبيت الحرام مزايا كثيرة فجعله مباركًا كثير الخير في الدين والدنيا فيضاعف ثواب العمال الصالحات فيه والقصد إليه لأداء النسك أو التعبد به وتعزف النفوس الطيبة وهي به عن الدنايا والفواحش أكثر مما لو كانت في غيره مهابة له وتعظيمًا لحرمانه وخص بالوفود إليه للحج والعمرة واستجاب دعوة خليله إبراهيم فيه فجعل أفئدة من الناس تهوى إلى ذريته في الحرم ورزقهم من الثمرات وقضى أن تجبي إليه ثمرات كل شئ رزقًا من لدنه وفضلًا منه ورحمة بسكان بلده الحرام ومن يفد إليهم تعظيمًا للبيت وبارك لهم في طعامهم وشرابهم وبعث فيهم رسولًا منهم إلى الناس كافة وختم به النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
قال (:"أنا دعوة أبي إبراهيم"وجعل له في البلد الحرام آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا فمن دخله معظمًا وقصده محتسبًا وأدى المناسك كما شرعت كان آمنًا من عذاب الله