اتفق العلماء على طلب تحية المسجد في الجملة لمن دخل المسجد كما اتفقوا على طلب الإنصات والإصغاء للخطيب يوم الجمعة في الجملة أيضا واختلفوا فيما ينبغي لمن دخل والخطيب يخطب للجمعة: هل الإنصات والإصغاء فلا يصلي التحية ؟ أم يصلي صلاة التحية . فذهب إلى الأول من الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة وإلى الثاني منهم الشافعي واحمد . وهاك مأخذ الفريقين ومنزع المذهبين وبيان ما يعطيه الحجاج من الحق: احتج الأولون أولًا: بعموم قوله تعالى: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
قالوا: أمر الله تعالى بالإنصات والاستماع للقرآن: فالخطبة كذلك إذ هي قرآن وفي أداء التحية وقتئذ تشاغل وإعراض عن امتثال الأمر فلا يجوز .
وثانيا: بقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"- متفق عليه - قالوا: أعتبر إرشاده لجليسه إلى الخير وأمره بالمعروف لغوا مع قصر زمنه فالتشاغل بالتحية أولى من يكون لغوا فيمنع .
وثالثًا: بما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا:"إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام".
والجواب عن الثلاثة جملة أنها مخصوصة بمن دخل فلا يعمه حكمها لقوله عليه الصلاة والسلام:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما"رواه مسلم واحمد وأبو داود ، فإنه إذا تعارض الخاص والعام قضي بالخاص على العام .
ويخص الأول: أن إطلاق القول بأن الخطبة قرآن دعوى لا دليل عليها . نعم يجوز إن يكون فيها منه آية أو أكثر ومع ذلك فالحكم للغالب .
ويخص الثاني: أن مصلي الركعتين يطلق عليه منصت ونظيره في ذلك: ما رواه أبو هريرة في افتتاح الصلاة أنه قال: يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه ؟ فأطلق السكوت على القول سرًا فهنا كذلك .