ولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فأكثروا المسائل الفقهية من أبوب شتى على أن يجمعها وحدة أصولية ، كما فعل ذلك الشاطبي أحيانًا في كتاب الموافقات وقصدوا بذلك الشرح والإيضاح والإرشاد إلى ما بينها من معنى جامع يقتضي اشتراكها في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا إلى القاعدة الأصولية ، وأتبعوا ذلك ما يؤيد الاستقراء من أدلة العقل والنقل لكان طريقًا طبيعيًا تألفه الفطر السليمة وتعتمده عقول الباحثين المنصفين ولأكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالًا في الحكم وفتحوا أمامهم باب البحث والتنقيب ويسروا لهم تطبيق القواعد الأصولية على ما جد ويجد من القضايا في مختلف العصور .
وخير لمن يريد فهم علم الأصول على وجهه ويرسخ فيه أن يرجع في قراءته إلى كتب الأوائل فإنها أقعد وعبارتها ادق وأوضح وتحريرهم لمحل النزاع وحكايتهم للخلاف أوفق لأنهم بذلك أعرف ونقاشهم للأدلة جار على أصول النقد وقواعد الجدل والمناظرة عند العلماء .
ويختتم الشيخ عبد الرزاق مقدمته الوافية لكتاب"الإحكام"بترجمة لمؤلفه سيف الدين الآمدي ، ومما يدل على إنصاف الشيخ وتجرد ونزاهة قلمه عند الحكم على الرجال أنه عندما أراد أن يترجم للآمدي نقل ترجمته من عدة كتب بعضها تحمل على الآمدي وتنال منه وتتهمه في دينه ومن هذه الكتب"ميزان الاعتدال"للذهبي وبعضها الآخر تدافع وتنافح عن الآمدي وتنال منه وتتهمه في دينه ومن هذه الكتب"ميزان الاعتدال"للذهبي وبعضها الآخر تدافع وتنافح عن الآمدي وتبرئه مما رمي به وتنصفه من خصومه ومن هذه الكتب"وفيات الأعيان"لابن خلكان و"البداية والنهاية"لابن كثير الذي ذكر أن الآمدي كان كثير البكاء رقيق القلب وأن غالب ما رمي به لا دليل عليه .