ولأنّ جماعة الإخوان المسلمين وأفراخها تَنْتَخِب دعاتها من بين قادتها ومفكّريها ولا تُشِع الدّعوة بين تابعيها، ولأنّها تُظهر اهتمامًا كبيرًا بحيازة الأموال والوظائف، وتسعى إلى انتزاع السّلطة ممن ولاهم الله أمرها وجمع عليهم شمل الأمّة؛ فقد اختار الكاتب جماعة التبليغ لما وجد فيها مِنْ عُزُوف عن جمع المال وعن منازعة الأمر أهله، ومن اقتصاد في النّفقة والمتاع يوافق طبعه، ومِنْ إعطاء جميع أفرادها الحقّ في الدّعوة حسب وُسْعهم؛ ليتدرّب معهم - أثناء العمل - على التّخلّص من العقبات الجِبلّيّة والمكتسبة في طريقه إلى أداء فريضة الدّعوة، والجمع بين تقديم ما علَّمتْه مؤسّسات دولة التّوحيد والسنّة من منهاج النّبوّة في الدّين والدّعوة، وبين اكتساب أسلوب الأعاجم في الصّبر والتّضحية والقصد والتّقشف، أمّا من حيث المنهاج فهم مثل الأعراب {أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ} [التوبة: 97] . صحب الكاتب جماعة التّبليغ لحضور أكبر تجمّع لهم في (تونكي) قرب العاصمة (داكا) على ضفّة النّهر حيث يعيش كلّ عام مئات الألوف من أفراد الجماعة في العراء بضعة أيام يستمعون إلى مواعظ مشايخهم، ثم ينصرفون بقية اليوم يقضون وقتهم بين تدبير أمر معاشهم وتنفيذ برنامج الدّعوة التّبليغيّة.
ويأوي المشايخ إلى منزل مخصّص لهم، كما يأوي العرب إلى حظيرة خُصِّصت لهم في ضيافة الجماعة، ويَضْمَنُ هذا جهلهم ببعض البدع التي لا يرضاها مواطنوا دولة التّوحيد والسّنّة وأبرزها ظهورًا بيعة المشايخ الصّوفيّة.