فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 302

1742 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ رَضِي الله عَنْه أَنَّهُ قَال سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَقُولُ تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ وَتُفْتَحُ العِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ (1)

(1) هذا الحديث فيه آية من آيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذكر أن هذه الأقاليم الثلاثة تُفتح اليمن والشام والعراق ، وأن من أهل المدينة من يبسون أن ينصرفون عنها بأهليهم ويسكنون هذه البلاد ، قال: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) وهذا في غير من ذهب إلى جهاد أو نشر العلم أو ما أشبه ذلك فذهابه خير . ولهذا ذهب كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى الشام ومصر والعراق واليمن من أجل نشر الدعوة الإسلامية إذ لو بقوا في المدينة فمن يدعو الناس ؟ لو بقوا في المدينة من يجاهد الناس؟ تكلم على هذا الشارح ؟

تعليق من فتح الباري ج: 4 ص: 92

قوله: ( تُفتح اليمن ) قال ابن عبد البر وغيره افتتحت اليمن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام أبي بكر وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها ، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ترتيبه ، ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرا لهم .

وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه ، وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ، ولم يختلف العلماء في أن المدينة فضلا على غيرها وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة . قوله: ( يبسون ) بفتح الموحدة وبكسرها من بس يبس . قال ابن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى بكسر الموحدة وقيل إن ابن القاسم رواه بضمها قال أبو عبيد معناه يسوقون دوابهم . والبس سوق الإبل تقول بس بس عند السوق وإرادة السرعة . وقال الداودي معناه يزجرون دوابهم فيبسون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا . قال تعالى: { وبست الجبال بسا } أي سالت سيلا ، وقيل معناه سارت سيرا . وقال ابن القاسم: البس المبالغة في الفت ، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن بسيس . وأنكر ذلك النووي وقال إنه ضعيف أو باطل . وقال ابن عبد البر وقيل معنى يبسون يسألون عن البلاد ويستقرئون أخبارها ليسيروا إليها ، قال وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة ، وقيل معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها . ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم: ( يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وعلى هذا فالذين يتحملون غيرهم يبسون ، كأن الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد ورخاؤها فدعا قريبه إلى المجيء إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه .

قال ابن عبد البر وروي يبسون بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي من أبس إبساسا ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها وأصل الإبساس للتي تُحلب حتى تدر باللبن وهو أن يجري يده على وجهها وصفحة عنقها كأنه يزين لها ذلك ويحسنه لها . وإلى هذا ذهب ابن وهب وكذا رواه ابن حبيب عن مطرف عن مالك يُبسون من الرباعي وفسره بنحو ما ذكرنا . وأنكر الأول غاية الإنكار . وقال النووي الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله بأسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة .

قلت: ويؤيده رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة في هذا الحديث بلفظ: ( تُفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) ويوضح ذلك ما روى أحمد من حديث جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) وفي إسناده ابن لهيعة ولا بأس به في المتابعات وهو يوضح ما قلناه والله أعلم .

وروى أحمد في أول حديث سفيان هذا قصة أخرجها من طريق بشر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق وهو في بعث بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليه يستحمله فخرج معه يبتغى له بعيرا فلم يجده إلا ثم أبي جهم به حذيفة العدوي فسامه له فقال له أبو جهم لا أبيعكها يا رسول الله ولكن خذه فاحمل عليه من شئت ثم خرج حتى إذا بلغ بئر إهاب قال: (يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان ويوشك الشام أن تُفتح فيأتيه رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه والمدينة خير لهم ... ) الحديث .

قوله: ( لو كانوا يعلمون ) أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي وثواب الإقامة فيها وغير ذلك ، ويحتمل أن تكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير ، وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها . قالوا والمراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها ، وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث . قال الطيبي الذي يقتضيه هذا المقام أن يُنزل ( ما لا يعلمون ) منزلة اللازم لتنتفى عنهم المعرفة بالكلية ، ولو ذهب مع ذلك إلى التمنى لكان أبلغ لأن التمنى طلب ما لا يمكن حصوله أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا . وقال البيضاوي المعنى أنه تُفتح اليمن فيعجب قوما بلادها وعيش أهلها فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهليهم حتى يخرجوا من المدينة والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم ؛ لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الدينية بالعوائد الأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها . وقواه الطيبي لتنكير قوم ووصفهم بكونهم يبسون ثم توكيده بقوله: ( لو كانوا يعلمون ) لأنه يُشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول ولذلك كرر ( قوما ) ووصفه في كل قرينة بقوله: ( يبسون ) استحضار لتلك الهيئة القبيحة والله أعلم .

الشيخ: الحمد لله ، هذا وافق ما ذكرناه أن من خرج لا راغبًا عنها ولكن لمصلحة دينية أو حاجة دينية فلا بأس ، كما كان حال الصحابة رضي الله عنهم يفعلوا هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت