فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 302

123ـ بَاب ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ذَلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لهُ عِنْدَ رَبِّه) (1)

(1) قال البخاري رحمه الله تعالى فيما ساقه من كلام الله تبارك وتعالى: باب (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ) يعني هذا باب في هذه الآيات، فهو خبر لمبتدأ محذوف ولا يُضاف إلى ما بعده؛ لأنه مستقل.

(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ) أي اذكر يا محمد إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، أي هيأناه له وبيناه له، والمراد بالبيت الكعبة.

(أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) يعني أن هذا التبويء مبني على التوحيد، أن لا تشرك بي شيئًا، وليس لإقامة أحجار تُعبد من دون الله، ولكن للتوحيد، وقوله: (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) نكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي؟ النهي بدليل أنها جزمت (أَنْ لا تُشْرِكْ) جزم الفعل فدل على أن (لا) ناهية وليست نافية، (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا شجرًا ، ولا حجرًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، ولا شيئًا، ففي العبادة فلا يُستثنى من هذا شيء، لا يجوز للإنسان أن يعبد أحدًا بأي عبادة كانت، تطوعًا كانت او واجبًا، وأما فيما يتعلق بالربوبية فلا بأس أن يُنسب الشيء إلى مخلوق إذا صح إنه قائم به، مثل إضافة الأشياء إلى أسبابها بشرط أن يؤمن أن يعتقد الإنسان أن هذا السبب من عند الله عز وجل وليس مستقلًا بالتأثير بالمسبب، ولهذا يجوز للإنسان أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، ويجوز للإنسان أن ينسب الشيء إلى سببه المعلوم حسًا أو شرعًا، فمثلاُ ينسب الشفاء إلى العسل؛ لأنه معلوم شرعًا وحسًا، ينسب الشفاء إلى دواء لم يُذكر في القرآن ولكنه مؤثر، يصح، ولكن بشرط أن يكون عند الإنسان عقيدة بأن هذه الأسباب لا تؤثر بذاتها ولكن بما أودع الله فيها من القوة، ويدخل في قوله: (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) النهي عن تمثيل المخلوق بالخالق في الأفعال أو في الأوصاف، ولهذا قال الله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} فلا يحل لأحد أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى مماثل لحد من المخلوقين ولا أن أحدًا مماثل لله.

(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) أضافه الله إليه تشريفًا وتكريمًا ، كما أضاف الناقة إليه تشريفًا وتكريمًا، مثل قوله: {ناقة الله} وليس المراد أنه بيت يسكنه حاشا وكلا ، فإن الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وهو في السماء على العرش، كذلك الناقة ليس المعنى أنها ناقة الله التي يركبها كلا وحاشا، ولكن هذه الإضافة من باب التشريف، إضافة هذا البيت إلى الله يوجب أن يتعلق به نسك، وأن نعظمه؛ لأن الله عظمه بإضافته إليه، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليه}

(للطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) بدأ بالطواف؛ لأن الطواف أخص عبادة تتعلق بهذا البيت، لا يُطاف بغيره، لا يُطاف إلا بهذا البيت، فقدمها؛ لأنها أخص عبادة تتعلق به، ويُذكر أن بعض الخلفاء نذر أن يتعبد لله عبادة لا يشاركه فيها أحد فسأل كثير من العلماء، فقالوا: لا يمكن، إن صليت فلعل غيرك يصلي ، إن صمت فلعل غيرك يصوم، إن تصدقت فلعل غيرك يتصدق، ففتح الله على بعضهم وقال له: يُخلى لك المطاف ـ يعني أمنع الناس من الطوافـ وطف وحدك، حينئذٍ لا يشاركك أحد؛ لأن الطواف خاص بالبيت، وقوله: (وَالقَائِمِينَ) أي المقيمين فيه، ويحتمل القائمين بالصلاة لقرينة قوله: (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وفي الآية الأخرى {والعكافين} بدل القائمين، فإذا قلنا: القيام بمعنى المكث صارت الآيتان بمعنى واحد، وإذا قلنا: القيام يعني القائم في الصلاة، اختف المعنى، ويكون تطهير البيت للطائف والمعتكف والقائم في الصلاة والراكع والساجد.

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ) يعني أعلمهم به على وجه الإعلام والإبانة بالحج يعني إلى هذا البيت.

(يَأْتُوكَ رِجَالًا) سبحان الله، (يأتوك) هذه مجزومة ، ما الذي جزمها؟ لأنها جواب الأمر، يعني كأنه قال: إن تؤذن يأتوك، ولهذا ذهب بعض النحويين إلى أن الجزم هنا لشرط محذوف معلوم من السياق، والتقدير إن تعظم يأتوك، لكننا نركب السهل في خلاف النحو، وأيهما أسهل عدم التقييد ، فنقول: هي جواب الأمر، والمعنى واضح المعنى واحد أذن في الناس بالحج يأتوك، وهذا يدل على أن أذان إبراهيم عليه السلام سيؤثر في الناس.

(يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلى كُل ضَامِرٍ) رجالًا: أي يمشون على أرجلهم، وهي حال؛ لأنها وإن كانت اسمًا جامدًا، لكنها بمعنى مشتق إذ المعنى يأتوك راجلين، (وَعَلى كُل ضَامِرٍ) يعني ويأتوك أيضًا (وَعَلى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ) الضامر: الناقة المضمرة التي يخف لحمها وشحمها وتكون مستعدة تمامًا للسير، وهذا معنى تضمير الإبل، الناقة المضمرة في عهد الإبل كالسيارة التي تسمى في الوقت الحاضر الشبح، أحسن السيارات وأسوقها.

وقوله: (مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ) أي من كل ناحية بعيدة، كان الناس يأتون من أقصى الصين، ومن أقصى أفريقيا، قبل أن تُفتح قناة السويس، كانت أفريقيا وآسيا ملتحمة بعضها مع بعض، ثم حُفرت القناة من اجل أن يسهل عبور هذه القناة من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر، ولكن يأتي هؤلاء على كل ضامر من كل فج عميق، وشاهدناهم يعني قبل يأتون على أرجلهم من الهند وباكستان وما وراء ذلك ، يأتون على أرجلهم، يمشون ستة أشهر من بلادهم على مكة، كل ما مروا ببلد بقوا فيها ما شاء الله أن يبقوا، ومنهم من يكون لدية صناعة يستأجر دكان صغير ويصنع، أذكر أنهم يصنعون لنا شيء مثل اللعبة كذا ويجر الحبل ويبيعون علينا، يبيعون أيضًا أشياء حاويات صغيرة كالفناجيل وغيرها، المهم أنهم يمشون من بلادهم، ويتكسبون في البلاد التي يتوقفون فيها حتى يصلوا إلى الحج على أرجلهم، ثم يرجعون كذلك ستة أشهر، سبحان الله القلب هو الذي يمشي الإنسان

بعيد على كسلان أو ذي ملالة فأما على المشتاق فهو قريب

(وَعَلى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُل فَجٍّ عَمِيقٍ ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهُمْ) اللهم لك الحمد، بدأ بنصيبنا قبل نصيبه عز وجل، (ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهُمْ) أي يحضروها بماذا؟ بالبيع والشراء والتكسب، كما قال عز وجل: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات} كذلك أيضًا منافع بمعرفة المسلمين لأحوال إخوانهم، وما يلزمهم نحوهم، كذلك منافع بالإلفة والمودة والمحبة وشكاية الأحوال على الآخرين، المهم أن كلمة منافع كلنا يعرف أنها صيغة منتهى الجموع، فتشمل منافع عظيمة جدًا.

(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) بعض العلماء يقول: كما أشرت إليه أولًا إن هذا دليل على أن فوائد الحج العامة أهم من ذكر اسم الله وهو النحر، ولكني عندي أننا نقول: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) من باب عطف الخاص على العام؛ لأن ذكر اسم الله عز وجل على بهيمة الله منفعة.

ش12 ـ وجه ب:

دينية ودنيوية، وهذا أولى أن نقول: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) من باب عطف الخاص على العام، يعني نص عليه؛ لأنه أهم المنافع، أهم المنافع ذكر الله عز وجل. (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) أي يقولوا: بسم الله (عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) الرزق بمعنى العطاء، كما قال تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم فيها} أي أعطوهم، وقوله: (مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) هي الإبل والبقر والغنم بالاتفاق، وسميت بهيمة؛ لأنها عجماء لا تتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( العجماء جُبار ) ).

وقوله: (عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) هذا بالإجماع، أي أنه لا يُتقرب إلى الله بالهدي إلا من بهيمة الأنعام، وكذلك الأضاحي، ولابد فيها من أن تكون بالغة السن الواجبة، وهي في الإبل خمس سنوات، وفي البقر سنتان، وفي الماعز سنة، وفي الضأن نصفها، قال بعضهم: ويُعرف بلوغ الضأن نصف السنة بأن ينزل شعره، إذا كان واقفًا ينزل شعره إذا بلغ ستة أشهر نزل على ظهره، كان بالأول قائمًا فإن صح هذا فهي علامة، وقرينة ليست شيئًا مؤكدًا.

الشرط الثاني: أن تكون سليمة من العيوب، العيوب التي تمنع من الإجزاء، وهي أربع بينها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء ـ يعني الهزيلةـ التي لا مخ فيها ) )عرفتم؟ أربع، ما سوى ذلك من العيوب فهو منقص لا مانع من الإجزاء إلا أن يساوي هذه العيوب، وهنا سؤال: لو أن شخصًا أراد أن يهدي أو أن يضحي بعمياء ما تشوف أبدًا، تجزئ أو لا تجزئ؟ لا تجزئ، والعجب أن بعض العلماء قال: تجزئ، وعلل تعليلًا يصح أن يكون في أيام الصيف الحارة، ما المعنى؟ بارد جدًا، قال: لأن العمياء ما فيها نقص؛ لأن مالكها سوف يحضر لها الطعام والشراب، والعوراء يأتيها النقص لأن صاحبها يكلها إلى نفسها، والعوراء ما تشوف إلا من جهة واحدة فيفوتها شيء كثير من المرعى، ولكن هذا القول كما قلت لكم: قول باطل.

طيب، مقطعة الأربع، ما لها رجلين ولا يدين تجزئ؟ على قياس الأول تجزئ؛ لأنه يأتي لها علف وتأكل، ولكن هذا كله غير صحيح، لولا إنه قيل ما صدق الإنسان أن يقوله عاقل فضلًا عن عالم.

طيب، أورد شيخنا عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله مسألة، فقال: إنه إذا كان قحط وجدب والأرض لا تنبت، ثم جاء المطر وأنبتت الأرض، ورعت المواشي، وكانت الأول المواشي من الهُزال ما فيها مخ، لأنها ما ترعى، ثم نزل المطر، ونبتت الأرض ورعت وسمنت سمن كبيرة، ولكن ما فيها مخ فهل تجزئ أو لا تجزئ؟ تجزي؛ لأن الحديث (( العجفاء التي لا مخ فيها ) )وهذه ليست عجفاء، قال شيخنا: وهذا يقع كثيرًا، حدثه بذلك أهل البادية، (عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) لها شروط ، فقيل: الهدي هل له أوقات معلومة كالأضحية؟ الجواب: لا، إلا هدي التمتع والقرآن فقد دلت السنة على أن له أوقات معلومة وهي أوقات ذبح الأضحية، أما هدي التطوع، والهدي الواجب لجبران أو لفعل محظور فهذه مقيدة بأوقاتها حتى ولو أحرم الإنسان بعمرة في نصف السنة وترك واجبًا أو فعل محظورًا فإنه يفدي في وقته، (عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) طيب، على ما رزقهم (فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) ، الأيام المعلومات هي أربعة أيام أولها العاشر من ذي الحجة وآخرها غروب الشمس ثالث أيام التشريق، وقوله: (فِي أَيَّامٍ) لا يعني أنها لا تصح في الليالي؛ لأن العرب تُطلق الأيام وتريد الأيام والليالي وبالعكس.

قال الله عز وجل: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ) كلوا منها: أي من هذه البهائم، والأمر هنا للاستحباب عند أكثر العلماء، وذهبت الظاهرية إلى وجوب الأكل منها، قالوا: إذ لا صارف لهذا الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، وقالوا أيضًا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل بدنة مما أهداه وهي مائة بعير ببضعة فجُعلت في قدر فطُبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها، فلا يُكلف أصحابه بأخذ هذه القطع حتى تُجعل في القدر مائة قطعة ثم يأكل من لحمها ويشرب من مرقها، إلا لأن الأمر للوجوب، والقول: بأن الأمر للوجوب، ليس بعيدًا؛ لأنك لا تستطيع أن تعرف صارفًا عن الوجوب، ولكن جمهور العلماء على أنه للاستحباب.

(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ) البائس: يعني المعدم، الفقير: الذي ليس عنده مال، والمعنى متقارب كما قال الشاعر: (فألف قولها كذبا ومينا) الكذب والمين بمعنى واحد. طيب، (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) لو نظرنا إلى ظاهر الآية الكريمة لقلنا: يأكل النصف ويُطعم النصف، ولو نظرنا إلى إطلاق الأكل، وإطلاق الطعام، قلنا: إن الأمر مطلق المهم أن يأكل وأن يتصدق، ولا يحتاج إلى التقييد بنصف أو ثلث أو ربع، ولكن كثيرًا من السلف يستحبون أن تكون أثلاثًا، ثلث للأكل، وثلث للصدقة، وثلث للهدية، والأمر في هذا واسع، لكن لو أكلها كلها ماذا يصنع؟ نقول: يجب عليه أن يضمن حق الفقير من مثل ما أكل، فمثلًا إذا كانت ضأن يضمن بلحم ضأن، إذا كانت بعيرًا يضمن بلحم بعير، ولحم الغنم أطيب.

(ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ) ثم: أي بعد ان يأكل ، ومعلوم أن هذا النحر ما يكون تحلل إلا بعد النحر؛ لأن النحر سيتقدم على الحلق حسب الترتيب الأفضل، فيكون مثلًا الحجاج يرموا رمية العقبة، ثم ينحر، ثم يحلق، وحينئذٍ يحل، ولهذا قال: (ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يعني بعد أن يذبحوا ويتصدقوا ويأكلوا (ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ) التفث: يعني إلقاء الأوساخ مثل قص شعره ظفره وما أشبه ذلك.

(وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ) أي يوفوا نسكهم؛ لأن النسك نذر فإن من تلبث بالنسك فقد أوجب على نفسه أن يتمه، لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} فجعل الإحرام فرضًا، ولذلك لا يوجد عبادة إذا شرع فيها الإنسان لزمه أن يتمها وهي نفل إلا الحج والعمرة، وكذلك الجهاد إذا حضر الصف.

(وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ) يطَّوفوا: ضعف الفعل، إما أن يكون يطوفوا، وإما لكثرة الطائفين؛ لأن الفعل قد يُشدد لكثرة الفاعل لا لكثرة الفعل، انتبهوا لهذه النكتة، قد يُضعف الفعل لكثرة الفاعل لا لكثرة الفعل، ومنه على القول الراجح ما ورد في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن زوارات القبور) زوارات، وفي لفظ (زائرات) ، لفظ (زائرات) ما فيه إشكال؛ لأنه يصدق عليه إذا زارت مرة واحدة، ولكن (زوارات) بعض العلماء من المتأخرين والمتقدمين يقولون: إن هذا ينصب على من تكثر الزيارة، ولكن شيخ الإسلام أبطل هذا، وقال: إن الفعل قد ضُعف لكثرة الفاعل، لا لكثرة الفعل، فيكون (لعن زوارات) يعني كل زائرة، كل زائرة للقبور، وما قاله رحمه الله صحيح، ما قاله فهو صحيح، وهو مسلم أيضًا، فإن لم نسلم فترجيح المخفف واضح أيضًا، لماذا؟ لأنك إذا قلت: من زارت مرة واحدة فهي ملعونة يكون أخص مما قلت: إن كررت فهي ملعونة، فيكون اللَّعنة حق عليها من مرة واحدة.

طيب، (وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ) يطوفون به، والبيت العتيق: قيل: إن معناه القديم، وقيل معناه: المعتق من الجبابرة؛ لأنه ما قصده جبار إلا قصمه الله، وأنظر أصحاب الفيل، طيب لو قلنا بالمعنيين فحسن، وقيل: العتيق الغالي في الصدور، فإن الشيء الغالي في الصدور يُقال: هذا عتيق، ويُقال للحر: عتيق، وهذا أيضًا معنى ثالث نضيفه إلى المعنيين السابقين، نسال الله تعالى أن يحميه من أعدائه الظاهرين والباطنين.

(وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ) وقوله: (بالبيت) الباء هنا للاستيعاب، كما في قوله تعالى: {امسحوا برؤوسكم} الباء هنا للاستيعاب، ولهذا يجب مسح الرأس كلها، طيب، أرأيتم لو قال: وليطوفوا في البيت، فهل يجب الاستيعاب؟ لا، لأن في للظرفية، يُستفاد من قوله: (بِالبَيْتِ العَتِيقِ) أن الإنسان لو طاف دخل من بين الحجر والكعبة القائمة، فشوطه غير صحيح، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )أي مردود، طيب، لو سمتعم قارئ يقرأ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ) صحيح أو خطأ؟

طالب: خطأ.

الشيخ: اللهم أهدنا، خطأ، لماذا؟ لأن المعنى أختلف، لو قال: ثم لْيقضوا صارت اللام للتعليل لا للأمر؛ لأن الذي يُسكن بعد ثم هي لام الأمر، ولذلك يغلط بعض الناس في تلاوة قول الله تبارك وتعالى: {هذا بلاغ للناس وليُنذروا به وليعلموا إنما هو إله واحد وليتذكر أولوا الألباب} فتجده يُسكن اللام وهذا غلط، إذا جعلها لام التعليل فهذا غلط بلا شك، لماذا؟ لأن لام التعليل تُكسر ولو ...الحروف، ولكن لا استبعد وأنا لا أدري أن تكون فيها قراءة {هذا بلاغ للناس وليُنذروا به } هذه بعيدة أن تكون لام الأمر، (وليعلموا) يمكن أن تكون للأمر، وكذلك (وليتذكروا) ، لكني لا أدري هل فيها قراءة بالسكون أو لا .

سؤال: قوله سبحانه: (ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَليُوفُوا) فيه قراءة يا شيخ.

الجواب: فيها، للتعليل، إذا كُسرت فهي للتعليل.

نعود للشرح: قال الله تعالى: (ذلك) يعني ذلك حكم الله، أي ذلك المذكور هو حكم الله عز وجل وشريعة الله، (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لهُ عِنْدَ رَبِّه) (من) شرطية، و (يعظم) فعل الشرط، (فهو خير له) جواب الشرط، وكلمة (حرمات الله) عامة، فيه حرمات الحرم المكين وفيه حرمات الشريعة كلها، من يعظمها ويحترمها إن كانت مأمورًا بها عظمها فلا يخل بها، وإن كانت منهيًا عنها عظمها فلا ينتهكها، (فهو خير له عند ربه) ، ولا شك أن قول الله عز وجل يستلزم أن يحث الإنسان نفسه على تعظيم حرمات الله عز وجل.

سؤال: قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم) أن الله بين لإبراهيم بإرسال سحابة حتى وقفت على موضع البيت وظللت، هل هذه الرواية صحيحة يا شيخ؟

الجواب: يجب أن تعلموا أن ما أبهمه الله، ولم ترد السنة ببيانه، فالواجب إبهامه، لم يبين لك كيف بوأه له، فالواجب أن نقول: بوأه بأي سبب، إما بكونه أكمة كما قيل إنها أكمة مرتفعة عن ما حولها، أو بغير ذلك، ولا حاجة أن نعرف إنما المقصود أن الله تعالى بوأه وهيأه له، وأنه عليه السلام لم يتجاوز ما بينه الله عز وجل، فلم يزد ولم ينقص ولم يغير.

سؤال: مسألة البيت يا شيخ، فيه خصوصية لإبراهيم عليه السلام، ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، خصوصية عن الأنبياء كلهم لأن الله ذكر أن إبراهيم هو الذي يعمره، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - يعتني به؟

الجواب: لا ، على القول الراجح، أول من بناه إبراهيم، وأما القول بأنه مبني من قبل بناه آدم وأنه من قبل بنته الملائكة فهذا لا دليل يعتمد عليه.

السائل: ؟

الجواب: إبراهيم وإسماعيل لا تنسى، ومحمد عليه الصلاة والسلام لاشك أنه أنقذه من المشركين.

سؤال: هل من أراد التمتع، وأحرم بالعمرة متمتعًا، ثم بعد ذلك بدا له أن يسوق الهدي لا بنية أنه هدي التمتع، وإنما هدي مطلقًا، هل له ان يتمتع، أو لابد أنه يقرن؟

الجواب: هل له أن يتمتع؟ إذا أحرم العمرة ثم اشتراه من أثناء الطريق قبل أن يبدأ الطواف فلا بأس أن يكون قارنًا.

السائل: لا..هل له أن يتمتع؟

الجواب: كيف يتمتع وهو معه الهدي؟

السائل: معه الهدي ولكنه طرأ بعدما أحرم بالعمرة.

الجواب: ما يمكن.

السائل: الهدي ألا يصح مطلقًا ويصح معينًا؟

الجواب: بلى.

السائل: فلماذا لا نتركه على إطلاقه ويستفيد؟

الجواب: لا يستقيم، إذا ساق الهدي فلا يمكن له أن يحل.

سؤال: بارك الله فيك، أمر الله عز وجل إبراهيم أن يؤذن في الناس، فهل أذان ، كيف كان تأذين إبراهيم؟

الجواب: ما ندري، الله أعلم، أذانه في الناس إما أنه كما قيل: إنه أذان بالحج وسمعه الناس كلهم، حتى إن بعضهم بالغ وقال: إنه سمعهم من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وإما إنه أذن أعلم بما ورث عنه من الوحي.

سؤال: قال تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} هل فيه إشارة إلى أن المحرم المؤمن تقليم أظافره

الجواب: ما يدل على هذا؛ لأن أمره بهذا على سبيل الاستحباب.

سؤال: يا شيخ، المراد بقوله تعالى: { إن أول بيت للذي وضع ببكة مباركًا} الأولية هنا.

الجواب: نسبية، أول بيت وُضع للعبادة.

سؤال: أحسن الله إليكم، بالنسبة للطواف، هذا الطواف بالبيت خاص بالله سبحانه وتعالى، فكيف يكون الإنسان إذا طاف بالقبور، أو غير ذلك، هل يكون شركًا أكبر أم أصغر؟

الجواب: إذا طاف بالقبور إذا نوى إنه يتعبد لهذا المقبور كما يتعبد الطائف لله، فهذا شرك أكبر لا شك، وإن كان يطوف على القبور يظن أن هذا أقرب إلى الإجابة، وأن الذي يُطاف له ويُسأل هو الله فليس شركًا أكبر يعني حسب نيته فيه، إذا كان يطوف ويقول: أنا أرجو من هذا النفع والضرر والثواب ودرأ العقاب فهو كافر.

سؤال: يا شيخ بارك الله فيكم، يُشكل أحيانًا التفريق بين (من) الموصولة، والشرطية، حتى الموصولة تجد مجزوم ما بعدها

الجواب: مثل .

السائل: أنا ما استحضر ولكن يمر كثيرًا، ونقول: هذا بسبب العموم، يعني يُلحق ما بعدها ...

الجواب: أنا بينت هذا بالنسبة لما ذكرت ارتباط الفاء بالخبر بمن الموصلة قالوا: لأنها تُشبه الشرطية في العموم، فهمت، ولذا الفرق والواضح بأن من الشرطية إذا كان مضارعًا جُزم .

السائل: هل يكون فعل الشرط هو مضارع ؟

الجواب: يبقى الجواز ما هو إشكال؛ لأن لك أن تجعلها موصولة ولك أن تجعلها شرطية، إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحدهما.

السائل: يا شيخ، هل فيه فرق جوهري في المعنى.

الجواب: ما فيه شيء، الفرق في الحكم، ولكن من حيث التأثير الشرطية أبلغ؛ لأن ترتب الشيء على الشيء أبلغ من الخبر بأن هذا الشيء يكون بعده شيء.

سؤال: هل يُشترط في هدي التطوع، السن المعتبر؟

الجواب: إي نعم، إنما قصد به التقرب بالصدقة به، إن كان مقصوده التطوع بالصدقة به فهذا جنس هدي الدجاج والبيضة كما جاء في حديث في صلاة الجمعة، وأما إذا كان القصد التقرب بذبحه، فلابد من هذه الشروط التي ذكرت، فهمت، ولكن أحيانًا تكون المواشي هزيلة ما ترعى ويذهب مخها، تبقى هزيلة، ثم يأتي الربيع بسرعة تأكل ثم تسمن قبل أن يصل أثر الشحم إلى عظامها، فتكون سمينة وليس فيها مخ، ولهذا عن هذا النوع يقول شيخنا رحمه الله: هذا النوع ما يستطيعيقوم ، إذا ربضت لازم تقومها ، من أجل ماذا ؟ ضعيفة ليس فيها مخ.

السائل: المخ يا شيخ، المراد به ماذا ؟

الجواب: ما تعرف المخ، ما عمرك كسرت ساق البهيمة؟ مر علينا إن شاء الله تعالى في منى، ونكسر عظمة ونريك إياه، صحيح ما عمرك رأيت هذا؟

السائل: لا.. والله، أنا فكرت المخ الذي في العقل.

الجواب: الراس يعني ؟ لا ..المخ الذي في الأعضاء، فهمت الآن، وأفهم أيضًا فهمًا جيدًا أنه لا عقل في البهائم لا السمينة ولا غير السمينة.

سؤال: يا شيخ، أحسن الله إليك، قلنا إنه يجوز أن يُنسب الشيء إلى سببه سواءً كان شرعًا أو حسًا، وهذا لا يؤثر بنفسه، متى ينكر على من يقول: هذه الأشياء، يعني يُنسب الشيء إلى سببه متى يُنكر عليه إذا كان يعتقد أن الشيء يؤثر بنفسه ؟

الجواب: ما يُنكر عليه إذا عُرف أن السبب صحيح، مثل أن يكون واحد حصل له حادث، قال: لولا أن السيارة انضطجعت على حجر وارتفع عني لهلكت، ما في هذا شيء.

السائل: إذا اعتقد في السبب متى يُنكر عليه ؟

الجواب: يعني بمعنى مستقلة عن الله، ما هو الذي قدرها الله.

السائل: متى يُنكر عليه؟

الجواب: متى اعتقد هذا، الطبائعيون الآن لا يرون أسبابًا ومؤثرات بتأثير خارج، بكونها تؤثر بأمر خارج بل بذاتها.

سؤال: إذا قال قائل قلنا يا شيخ، أحسن الله إليك إن الجزار لا يُعطى من الهدي شيء، إذا قال قائل: إن الجزار إذا أعطيناه شيئًا ولو كان فقيرًا والأصل في الجزار إنه فقير إذا أعطيناه شيء، استثنيناه، يعني الفقير عموم الجزار ، فما الصارف من النهي أن نُخرج الفقير من عموم المنع؟

الجواب: أحسنت، النهي عن أن يُعطى الجزار منها شيئًا لئلا يقطعه الإنسان من الأجرة، هذا السبب، وهو لا يجوز أن يقتطعه من الأجرة، وقد أخرج الشاة لله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت