فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 302

134 ـ بَاب رَمْيِ الجِمَارِ

وَقَال جَابِرٌ رَمَى النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَرَمَى بَعْدَ ذَلكَ بَعْدَ الزَّوَال .

1628 حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ وَبَرَةَ قَال سَأَلتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ قَال إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ فَأَعَدْتُ عَليْهِ المَسْأَلةَ قَال كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا (1)

(1) باب رمي الجمار ) أولًا: ما هي الحكمة من مشروعيته ؟ والجواب: أن الحكمة إقامة ذكر الله عز وجل وكمال التذلل والتعبد له ، أما الأول فلقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) )وأما الثاني فظاهر لأن كون الإنسان ينقاد إلى أن يأخذ حجرات يرمي بها هذا المكان دون أن يفهم لهذا علة حسية يدل على كمال انقياده لربه عز وجل وأنه منقاد للشرع على أي حال كان . كما قال عمر في الحجر الأسود: ( لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) .

وأما عدد الجمار فهي سبع ، لكن كان الصحابة إذا رموا رجعوا يقولون: رمينا خمسًا رمينا ستًا ، وهذا يدل على أن الأمر في هذا هين ، يعني نقص حصاة أو حصاتين لا بأس به ولا شيء على الإنسان فيه . وأما مكان الرمي فمكان الرمي يكاد الإنسان يجزم بأنه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوسع من الموجود الآن ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رمى جمرة العقبة على بعيره والناس كذلك ، وهذا يقتضي أن يكون المكان واسعًا . ولكن المسلمون تحجروا هذا المكان المعين من زمان ومشوا عليه وجعلوا الواجب في الرمي أن يقع في هذا الحوض وأنه إن وقع دونه أو تجاوزه لم يصح الرمي . ولا ينبغي الخروج عن إجماعهم، وإلا فالإنسان يشك كثيرًا أن يكون موضع الرمي هذا المكان الصغير .

وأما رمي الشاخص فليس بمشروع ؛ لأن هذا الشاخص ما جُعل ليُرمى إنما جُعل علامة على مكان الرمي . وأما هل يرمي أو يضع ؟ الأول يرمي ، فلو فُرض أن الإنسان وقف على الحوض وأخذ الحصى بدأ ينقطها هكذا فإن ذلك لا يُجزئ لأنه لم يرم ، لابد أن يشد يده ويرمي . وهل يسمى هذا رجمًا ؟ سُئل سائل متى نرجم ؟ قال إذا وجدت زانيًا محصنًا . هذا لا يُسمى رجمًا إنما يُسمى رميًا كما جاءت به السنة وأما الرجم لم يأت بالسنة وإن قُدر أنه ورد في بعض الألفاظ فإنه من تصرف الرواة .

وأما الصِغر والكِبر فلا تكون كبير ولا صغيرة جدًا ، يعني لا تجعلها كحبة ذرة لا تنفع ولا كحبة شعيرة لا تنفع ، لكن اجعلها فوق الحمصة الصفراء ودون البندقة ، لا تكبرها ، وأما ما يفعله بعض الجهال فيرمي بحجر كبير وينفعل ويشتم ويلعن فهذا حرام من اتخاذ آيات الله هزوًا .

أما الزمن فقد بينه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرمي يوم النحر ضحى إذا ارتفعت الشمس لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم جلس في مزدلفة حتى أسفر جدًا ثم دفع ولم يصل إلى الجمرة إلا حين ارتفع النهار وصار ضحى ، فيرميها ضحى ، أما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ، إذا زالت الشمس رمى ولا يرمي قبلها . وكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يؤخر الرمي إلى زوال الشمس يدل على أن الرمي قبل الزوال لا يُجزئ . وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن ليختار هذا الوقت الذي هو أشد ما يكون حرارة ويدع أول النهار الذي فيه البرودة والراحة. وعليه فلا يجوز أن يرمي قبل الزوال إلا يوم العيد كما هو ظاهر. وأما ترخيص بعض العلماء للرمي إذا تعجل قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال فقول لا دليل عليه ولا دليل على أن النافر يرمي ثم يمكث في منى ، بل يرمي ويخرج من منى ، وقد سبق أن بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث من أيام التشريق رمى بعد الزوال ثم نزل إلى مكة وصلى بها الظهر .

فإذا قال قائل: فهمنا أن وقت الرمي في أيام التشريق من الزوال ، فمتى ينتهي ؟ عند فقهائنا رحمهم الله ينتهي بغروب الشمس ، وهذا يُمكن أن يكون بلا مشقة ولا ضرر لو كان عدد الحجاج لا يبلغ هذا المبلغ العظيم ، أما الآن فهل يمكن أن يُقال إن مليون نفر يمكنهم أن يرمي كل واحد منهم سبع حصيات ؟ هذا مستحيل وتعب شديد ، لذلك أفتى العلماء عندنا وهم يفتون على مذهب الحنابلة أنه لا بأس بالرمي ليلًا للحاجة إلى ذلك والمنع ليس مجمعًا عليه والنصوص محتملة ، الابتداء موقت والانتهاء غير موقت ، إلى الفجر ، وهذا هو الذي نفتي به وكنا نتوقف فيه ، وكان أحد طلبة الشيخ عبد الرحمن رحمه الله البارزين رحم الله الجميع

إذا عرفنا الآن إن القول الراجح الذي تدعوا الحاجة إليه اليوم أن آخر الرمي طلوع الفجر من اليوم الثاني ، وليُعلم أن للحاجة أثرًا في الأحكام الشرعية ، انظر إلى نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الجلوس في الطرقات ، نهى عن الجلوس في الطرقات ، قالوا: يا رسول الله هذه مجالسنا ليس لنا منها بد ، قال: (( إن كان ولا بد فأعطوا للطرق حقه ) )وذكر حق الطريق . وانظروا إلى العرايا بيع الرطب بالتمر ، غير العرايا جائز أو غير جائز ؟ غير جائز ، في العرايا جائز لدعاء الحاجة ، فالفقير الذي ما عنده دراهم وهذه الرطب على رؤوس النخل الناس يتفكهون في الرطب وهو لا يستطيع لأنه ليس عنده إلا تمر قديم يجوز له أن يشتري تمرًا على رؤوس النخل بهذا النخل القديم لكن إذا كان الرطب يساوي القديم كيلًا . لماذا ؟ للحاجة .

فالإفتاء بأنه يمتد إلى طلوع الفجر وهو ليس محل إجماع ، أعني من؟ هذا أمرٌ له وجه قوية في الدين الإسلامي .

هذه الأحجار هل يشترط أن تكون من مكان معين أو من أي مكان ؟ الجواب: من أي مكان ، وقد رأيت في منسك ابن حزم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقف عند جمرة العقبة يوم العيد وأمر ابن عباس أن يلقط له الحصى وجعل يقلبها بيده ويقول كأمثال هؤلاء وهؤلاء . إذًا لا تُلقط إلا عند الحاجة إليها ، وهذا هو والحمد لله هو المُفتى به وهو الذي عليه العمل الآن . وكان الناس فيما سبق يقولون القط الحصى من مزدلفة فرأينا الناس في أرديتهم حزم من حصى مزدلفة ، يربطه تجده يتدلى حصى ، ووجدنا الواحد إذا ضاعت منه حصاة جاء لأخيه يقول: جزاك الله خيرًا أقرضني حصاةً ! صحيح .. يسلفه حصى يمكن يرجعها له العام القادم أو يرجع إلى في مزدلفة ، ما أدري عنهم إنهم يستقرض بعضهم من بعض لأن الناس يقال لهم الأفضل تأخذ من مزدلفة ويظن هذا واجب .

وأقول: ليس الأفضل أن تأخذه من مزدلفة إن كنت تريد اتباع السنة ولكن الذين استحبوا أن تأخذه من مزدلفة من السلف الصالح رضي الله عنهم قالوا لأن ليس كل إنسان يتمكن من أن يأمر شخصًا يلقط له الحصى ، ومعلوم أن رمي جمرة العقبة تحية منى فيأمرونهم أن يلقطوا من مزدلفة من أجل أن يكونوا مستعدين للرمي من حين أن يصلوا . هذا الظاهر .

هل يمكن أن يلقط الإنسان الحصى من تحت الحوض المملوء الذي تناثر الحصى منه ، هل يمكن أن يأخذ واحدة ويرمي بها ؟ فيه خلاف ، بعض العلماء يقول لا يمكن أن يرمي بحصاة قد رُمي بها ، لماذا ؟ قالوا: لأن هذه الحصاة اُستعملت في عبادة فلا يصح أن تُستعمل في عبادة مرة ثانية . كالماء إذا تُوضئ به صار طاهرًا غير مطهر وكالعبد إذا أُعتق لا يمكن أن يعاد فيُعتق مرة أخرى . سمعتم القياس ؟ فيه نظر . أولًا نقول: الأصل الأول الذي قستم عليه هو أن الماء المستعمل في طهارة لا يستعمل مرة ثانية هذا لا نُسلم به ونقول إن الماء المستعمل في الطهارة يُستعمل في الطهارة مرة أُخرى لأنه طهور وانتقاله من الطهورية إلى الطهارة غير مُسلم . فإذا بطل الأصل الذي نقيص عليه بطل الفرع ، وأما قولكم إن العبد إذا أُعتق فلا يمكن أن يُعتق مرة أخرى فنقول إذا أُعتق لم يكن عبدًا بل صار حرًا ، والحصاة إذا رُمي بها ماذا تكون ؟ حصاة فلم يصح القياس ، ولهذا لو أن هذا العبد الذي أُعتق ذهب إلى الكفار ثم حصل بيننا وبينهم جهاد فاستُرق هذا العبد يُعتق أو لا ؟ يُعتق ، فبطل القياس . فعندنا معشر الحنابلة لا يجوز أن يرمي بحصاة قد رُمي بها وعند الشافعية يجوز ولا حرج .

قال الذين يمنعون: إذا قلتم أنه يجوز أن يرمي بحصاة قد رُمي بها لزمكم أن تكفوا الحجيج كلهم حصاة واحدة . إيش الإلزام هذا ؟ بمعنى أن الحجيج كلهم يقفون ، لو هذا رمى .. الله أكبر ثم أخذها .. الله أكبر ، ثم أخذها .. الله أكبر .. إلى أن يجيئون عن آخرهم . هل هذا إلزام واقعي ؟ لكن الإنسان عند الجدل يغيب عنه بعض الأشياء .

ش14 ـ وجه أ:

نقول إذا أمكن فأهلًا وسهلًا نلتزم بهذا اللازم إذا أمكن ، لكن إذا صاروا مليون نفر كل واحد يبي يرمي بسبع كم يصير ؟ سبعة ملايين ينتظرون ! يرموا إلى أن يهل هلال محرم . فعلى كل حال يعني بعض العلماء اللهم اعفوا عنا وعنهم يلزمون بأشياء غير واقعية ، لكن سبحان الله أرأيت لو أن إنسانًا بيده سبع حصيات واقف عند الجمرة فسقطت واحدة منها ثم رمى بست وتدحرجت إحدى الحصيات وهو يشوفها أخذها ورمى بها كيف يكون ما صح رميه ؟ مشكلة هذه لو قلنا لا يصح كان كل الحصى الذي تحدر من قمة الحصاة لا يُرمى به ونقول إذا سقطت منك واحدة اطلع برة مع الزحام الشديد والضنك والشدة علشان تجيب واحدة وترمي بها .

إذًا القول الراجح أنه يجوز أن يرمي الإنسان بالحصاة المرمي بها لأنها لم تزل حصاة ولم تتغير .

سؤال: التقاط الأحجار من داخل المسجد ؟

الجواب: أي مسجد ؟

السائل: مسجد منى .

الجواب: مسجد الخيف فيه أحجار الآن ؟ لا يجوز أخذها من المساجد لأن هذه فُرش بها المسجد وصارت وقفًا على المسجد .

سؤال: هناك أعمال في العشر يا شيخ وعبادات هل تدل على ميزة العشر في هذه العبادات ؟

الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إليه من هذه الأيام العشر ) )قالوا: ولا الجهاد ؟ قال: (( ولا الجهاد ) )كل شيء ، كل عمل صالح افعله في هذه الأيام العشر .

سؤال: يا شيخ أحسن الله إليكم ، وجدنا من يفتي الناس بمنى بجواز الرمي في الصباح عن الليلة السابقة أو اليوم السابق في الصباح قبل الزوال استنادًا إلى أن الرسول حدد بداية الرمي ولم يحدد آخره . ولما قيل له إن هذا اليوم هو اليوم الثاني وهو يرمي عن اليوم الأول . قال: أيضًا الليلة تكون ثانية عن اليوم ومع ذلك أجازت الهيئة الرمي خلال هذه الليلة ؟

الجواب: هو على كل حال إذا فات الرمي عن وقته لعذر فلا أرى مانعًا أن يُقضى في ضحى اليوم الذي يليه ويكون قضاءً ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) )أما أن يتعمد تأخير الرمي إلى طلوع الفجر فلا أراه جائزًا .

السائل: ولو كان بعيدًا ؟

الجواب: إي لكن ما هي بصحيحة، الآن في آخر الليلة لن تجد أحدًا .

سؤال: هل يلزم أن يبدأ الليل بمنى ؟

الجواب: ذكرنا لكم أن الأولى لمن نزل إلى مكة ليطوف أن لا ينزل إلا بعد منتصف الليل من أجل أن يستوعب معظم الليل في منى .

السائل: في غير هذه الأيام ، في اليوم الثامن مثلًا ؟

الجواب: ما يلزم ، يعني لو أنه مثلًا خارج منى فلما بقيت ثلثي الليل دخل منى وبات فيها .

سؤال: أحسن الله إليك ، من أخرجها عن وقتها عمدًا ؟

الجواب: عمدًا ؟ لا نحن ذكرنا لكم يا جماعة قاعدة مفيدة: كل عبادة موقتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بلا عذر فهي غير مقبولة، والدليل واضح: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )ولهذا قلنا من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يقضيها، يتوب إلى الله .

سؤال: في الهدي ...؟

الجواب: في إيش ؟ في الصلاة ؟

الجواب: لا .. الهدي، الهدي ما يذبحه ولا يقبل منه فهو يفعله فقط؟

الجواب: ما هو بواجب ما هو مثل الزكاة ، مع أن الزكاة لها وقت .

مسألة: أرأيت لو رمى بدل الحجر ذهبًا ، رمى خرز من الذهب واحد عشرين خرزة ، في اليوم الثاني ـ الحادي عشر ـ ذهب ورمى سبع في الأولى وسبع في الوسطى وسبع في الآخرة ، ماذا تقول ؟

طالب: النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نرمي بالأحجار ، فهذا كما قلنا: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ).

الشيخ: سمعتم الجواب ؟ يقول: لقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة وقد رمى النبي صلى الله عليه وسلم بالأحجار وقال: (( بأمثال هؤلاء فارموا ) )وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ). فيه محظور آخر ثالث أنه من باب إضاعة المال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت