فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 302

5 ـ بَاب العُمْرَةِ ليْلةَ الحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا

1658 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ فَقَال لنَا مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِل بِالحَجِّ فَليُهِل وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ فَليُهِل بِعُمْرَةٍ فَلوْلا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْللتُ بِعُمْرَةٍ قَالتْ فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ فَأَظَلنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلي بِالحَجِّ فَلمَّا كَانَ ليْلةُ الحَصْبَةِ أَرْسَل مَعِي عَبْدَالرَّحْمَنِ إِلى التَّنْعِيمِ فَأَهْللتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي (1)

(1) هذا الحديث فيه إشكال ، قوله في الحديث: ( مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ ) والمعروف إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج يوم خمسة وعشرين من ذي القعدة وليس في يوم خمسة وعشرين موافاة للهلال. ثانيًا أن الحديث يقول: ( فَأَظَلنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال ارْفُضِي ) والمعروف أنها أصابها الحيض قبل أن تصل إلى مكة في سبع ، فلا أدري أهو محفوظ أو لا ؟ .

القارئ: شرحه بعد بابين في باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي .

تعليق من فتح الباري:

قوله: ( خرجنا موافين لهلال ذي الحجة ) أي قرب طلوعه وقد تقدم أنها قالت خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة والخمس قريبة من آخر الشهر فوافاهم الهلال وهم في الطريق لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة .

الشيخ: يعني في نصف الطريق ، إذا أخذنا خمس وأربعة صار في نصف الطريق تقريبًا ، فكيف يقال خرجنا ؟ الظاهر إن هذا من جنس ما سبق إن الإنسان قد ينسى ، الرواة . فما دامت هي قد صرحت بأنهم خرجوا يوم خمس وعشرين من ذي القعدة يتبين إن هذا فيه شيء . على كل حال إن شاء الله البحث يأتي ....

.... هذا الحديث سبق لنا الإشارة إلى أن سياقه مخالف لسياق الأحاديث الأخرى من عدة وجوه: منها أنها قالت: (مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ ) والمعروف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عائشة أيضًا أنه خرج وقد بقي من ذي القعدة خمسة أيام . وحمل موافين أي مقاربين لهلال ذي الحجة فيه نظر .

ثانيًا: ( فَقَال لنَا مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِل بِالحَجِّ فَليُهِل وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ فَليُهِل بِعُمْرَةٍ ) قال: ( فَلوْلا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْللتُ بِعُمْرَةٍ ) هذا ما قاله إلا حين طاف وسعى عليه الصلاة والسلام ما قاله قبل أن يصل إلى مكة بل قاله حينما طاف وسعى . وظاهر السياق أنه قاله قبل ذلك ، على أنه يمكن أن يؤول على أن الراوي اختصر الحديث ثم انتقل من تخيير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه أن يهلوا بواحد من الأنساك الثلاثة ثم بعد ذلك قال: ( لولا أني أهديت لأهللت بعمرة ) لكن السياق يبعد هذا .

ثالثًا: ( قَالتْ فَأَظَلنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ) وهذا لا يستقيم أبدًا ؛ لأن المعروف المشهور أنها حاضت في سرف قبل أن تصل إلى مكة وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرها أن تدخل الحج على العمرة هناك لا في يوم عرفة .

ومنها أنه قَال: ( ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلي بِالحَجِّ ) وهذه الكلمة شاذة لأنها لو نفضت عمرتها لكانت مفردة لا قارنة ، وهي بلا شك صارت قارنة لكن لولا أن السياق فيه اضطراب لأمكن بسهولة أن نقول ( ارفضي عمرتك ) أي أفعالها لا تكمليها ، لكن أصل الحديث وسياق الحديث فيه هذا الاضطراب . والرواة كائن بشر قد ينسى الإنسان وقد يتوهم . ويغني عن هذا الحديث الأحاديث الأخرى التي في صحيح البخاري على غير هذا السياق .

وأما قولها: ( فَلمَّا كَانَ ليْلةُ الحَصْبَةِ أَرْسَل مَعِي عَبْدَالرَّحْمَنِ إِلى التَّنْعِيمِ ) ليلة الحصباء هي ليلة الرابع عشر ، والحصباء هي الحصى الصغار لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل في المحصب حين ما تأخر بمنى وخرج نزل هناك . وقولها: ( أرسل معي ) من المعروف أن عائشة هي التي طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وألحت عليه، لكن هذا لا يمنع أن يقال أرسل معي أخي بعد الإلحاح . لعل ابن حجر يشير إلى هذا .

القارئ: فيه لابن القيم على قوله: ( انفضي رأسك وامتشطي ) .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما قوله: ( انفضي رأسك وامتشطي ) فهذا مما أُعضل على الناس ولهم فيه أربعة مسالك:

أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية .

المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه ولا دليل من كتاب ولا سنة والإجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه ، وهذا قول ابن حزم وغيره .

المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة ، وقد روى حديثها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ، قالوا: وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها حديث حيضها في الحج فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (( دعي عمرتك وانفضي رأسك وامتشطي .. ) )وذكر تمام الحديث . قالوا: فهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة .

المسلك الرابع: أن قوله: ( دعي العمرة ) أي دعيها بحالها لا تخرجي منها وليس المراد تركها ، فقالوا: ويدل عليه وجهان: أحدهما قوله: ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) ، والثاني قوله: ( كوني في عمرتك ) ، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض. قالوا: وأما قوله: ( وهذه مكان عمرتك ) فعائشة أحبت أن تأتي بعمرة مفردة فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن طوافها وقع حن حجتها وعمرتها وأن عمرتها قد دخلت في حجها فصارت قارنة فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولًا ، فلما حصل لها ذلك قال: ( هذه مكان عمرتك ) .

وفي سنن الأثرم عن الأسود قال: قلت لعائشة اعتمرت بعد الحج ؟ قالت: والله ما كانت عمرة ما كانت إلا زيارة زرت البيت . قال الإمام أحمد: إنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه فقالت: يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك ؟ فقال: يا عبد الرحمن أعمرها . فنظر إلى أدنى الحل فأعمرها منه .

القارئ: نكمل الكلام على موضع الحيض والطهر ؟

الشيخ: نعم .

القارئ: قال رحمه الله: فصل ، وأما موضع حيضها فهو سرف بلا ريب وموضع طهرها قد اُختلف فيه فقيل بعرفة ، هكذا روى مجاهد عنها وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض ، ولا تنافي بينهما والحديثان صحيحان وقد حملهما ابن حزم على معنين ، فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف بها عنده ، قال: لأنها قالت تطهرت بعرفة ، والتطهر غير الطهر . قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر وحديثه في صحيح مسلم ، قال: وقد اتفق القاسم ومسلم على أنها كانت يوم عرفة حائضًا ، وهما أقرب الناس منها . وقد روى أبو داود قال: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة .. فذكر الحديث وفيه: فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة . وهذا إسناد صحيح. لكن قال ابن حزم إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها ، وهو قوله: إنها طهرت ليلة البطحاء . وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال ، وهذا محال . إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعلق بها لأنها ممن دون عائشة وهي أعلم بنفسها . قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا رُهيب بن خالد وحماد بن زيد فلم يذكروا هذه اللفظة .

ش15 ـ وجه ب:

قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة من وجوه:

أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة .

الثاني: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها وحديثه فيه الإخبار عنها .

الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث وفيه: فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة . وهذه الرواية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال مجاهد عنها: فتطهرت في عرفة . والقاسم قال: يوم النحر.

الشيخ: على كل حال المشهور هو أنها حاضت في سرف ، والشيخ ابن القيم رحمه الله ما أجاب عن قولهم إنها حاضت في عرفة ، أجاب عن قصة الطهر . هل قصة الطهر هل هي بعرفة أو يوم النحر ؟ هذا يمكن الجمع بأن يقال إنها طهرت يوم عرفة ولم تطهر إلا يوم النحر احتياطًا لئلا يكون هذا جفافًا لا طهرًا ، إذا كانت اللفظتان محفوظتين . وأما أنها طهرت ليلة البطحاء هذا لا شك أنه غلط .

طالب: تكلم عليه ابن حزم متى هي طهرت

تعليق من فتح الباري:

قوله: ( وأن عائشة حاضت ) في رواية عائشة نفسها كما تقدم أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة وفي رواية القاسم عنها وطهرت صبيحة ليلة عرفة حتى قدمنا منى وله من طريقه فخرجت من حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفنا بالبيت الحديث واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة من يوم النحر واقتصر النووي في شرح مسلم على النقل عن أبي محمد بن حزم أن عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره يوم النحر وإنما أخذه ابن حزم من هذه الروايات التي في مسلم .

ويُجمع بين قول مجاهد وقول القاسم أنها رأت الطهر وهي بعرفة ولم تتهيأ للإغتسال إلا بعد أن نزلت منى أو انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى وهذا أولى والله أعلم .

طالب: هذا هو ما ذكرتم .

الشيخ: إي هذا هو الظاهر ، المهم إن ـ سبحان الله ـ اختلاف الروايات في الحج كثير ، ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد تتبع هذا الاختلاف واعتمد على المشهور وما خالف المشهور حاول أن يرده إلى المشهور بتأويل قريب أو بعيد .

سؤال: يا شيخ اثابك الله ، بالنسبة للاختلاف في طهر عائشة متى طهرت ما الذي يترتب عليه ؟

الجواب: لا .. بس الروايات ، ولنعلم أن الحائض يجوز أن تقف بعرفة ومزدلفة ومنى .

سؤال: أحسن الله إليكم هل يُفهم من هذا الحديث أن الإمام مسلم رحمه الله قد يعتمد صحة السنة ولو كانت المتن شاذًا ؟

الجواب: الإمام البخاري ترى ، أنت قلت مسلم ، استصحاب الأصل لأنه ربما يكون في هذا السياق فائدة ولو واحدة يستفاد بها على الأحاديث السابقة .

سؤال: أحسن الله إليكم ، ما يمكن الجمع بين الروايات السابقة ؟

الجواب: لا .. لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت