الصفحة 74 من 86

الوجه الثاني: أن مصحف الخليفة الراشد عثمان بن عفان الذي تسلمه من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها كان خاليًا من النقط والإعجام؛ وذلك لأن النقط والإعجام لم يتم إلا بعد منتصف القرن الأول من الهجرة على يد أبي الأسود الدؤلي [1] .

يقول ابنُ شِهَابٍ: إنَّ أَنَسَ بنَ مَالكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ قَدِمَ عَلى عُثمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهل الشَّامِ فِي فَتحِ إِرمِينِيَةَ وَأَذرَبِيجَانَ مَعَ أَهل العِرَاقِ، فَأَفزَعَ حُذَيفَةَ اختِلافُهُم فِي القِرَاءَةِ فَقَال حُذَيفَةُ لعُثمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أَدرِك هَذِهِ الأُمَّةَ قَبل أَن يَختَلفُوا فِي الكِتَابِ اختِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرسَل عُثمَانُ إِلى حَفصَةَ أَن أَرسِلي إِلينَا بِالصُّحُفِ نَنسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِليكِ فَأَرسَلت بِهَا حَفصَةُ إِلى عُثمَانَ، فَأَمَرَ زَيدَ بنَ ثَابِتٍ وَعَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ وَسَعِيدَ بنَ العَاصِ وَعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَال عُثمَانُ للرَّهطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اختَلفتُم أَنتُم وَزَيدُ بنُ ثَابِتٍ فِي شَيءٍ مِن القُرآنِ فَاكتُبُوهُ بِلسَانِ قُرَيشٍ فَإِنَّمَا نَزَل بِلسَانِهِم، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ رَدَّ عُثمَانُ الصُّحُفَ إِلى حَفصَةَ وَأَرسَل إِلى كُل أُفُقٍ بِمُصحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِن القُرآنِ فِي كُل صَحِيفَةٍ أَو مُصحَفٍ أَن يُحرَقَ [2] .

فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا يقرؤون بهواهم وكيفما يشاؤون، بل كانت في حدود المسموعِ المتلقَّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أجمع عليه العلماء المحققون [3] ، والاعتماد على الحفظ في

(1) ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني، أبو الأسود، واضع علم النحو، كان معدودًا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجواب، توفي سنة 69 هـ، الأعلام 3/ 237.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن ص 1086.

(3) انظر: المدخل للقرآن الكريم، د. محمد أبو شهبة ص 207 ـ 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت