الصفحة 117 من 678

وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (2) وقوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} (3) وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاء من العلم إنك إذا لمن الظالمين} (4) وقوله: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} (5) وقوله: {ولاتمنن تستكثر% ولربك فاصبر} (6) وغيرها من الآيات في معناها فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله لرسوله، ليس فيها أي مطعن عليه، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم.

وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات آيه 12.

(2) سورة المائدة آيه 67.

(3) سورة الزمر آيه 65.

(4) سورة البقرة آيه 145.

(5) سورة الأحقاف آيه 35.

(6) سورة المدثر آيتا 6، 7.

الله لبعض الصحابة، كما في قوله تعالى: ألم يأن للذين آمنوا أن

تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق (1) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض} (2) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} (3) فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة، وإنما عاتب الله بها أفرادًا منهم، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم، كما في الآية الأخيرة، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - (4) ومن الخطأ تعميم ذلك على الصحابة كلهم، كما هو صنيع الرافضة، وأيضًا فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم، ولهذا أُطلق على هذه الآيات وأمثالها على أنها عتاب من الله للمؤمنين،كمافي أثر ابن مسعود المتقدم: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآيه {ألم يأن للذين آمنوا..} (5) إلا أربع سنين). (6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد آيه 16.

(2) سورة التوبة آيه 38.

(3) سورة الممتحنة آيه 1.

(4) انظر تفسير ابن كثير 4/344.

(5) سورة الحديد من الآيه 16.

(6) تقدم تخريجه ص 336.

وكذلك قال ابن عباس: (إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم) . (1)

والعتاب عرفه أهل اللغة بأنه: «مخاطبة الإدْلاَل وكلام المُدِلّيِن أَخِلاَّءَهم طالبين حسن مراجعتهم» (2) ولهذا عاتب الله رسوله وخليله صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية كما في قوله تعالى: {عبس وتولى% أن جاءه الأعمى} (3) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه: (مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي) (4) وقال تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم} (5) وقال تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وانعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه} . (6)

إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم تخريجه ص 336.

(2) لسان العرب لابن منظور 1/577.

(3) سورة عبس آيتا 1-2.

(4) ذكره البغوي في تفسيره 4/446، والقرطبي في تفسيره من رواية سفيان الثوري 19/203.

(5) سورة التحريم آيه 1.

(6) سورة الأحزاب آيه 37.

والمقصود هنا: هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم، لا يوجب انتقاصهم به، إذا ما ثبت جنس ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه.

فثبت بهذا أنه لاحجة للرافضة فيما استدلوا به من آيات للطعن في الصحابة عند النظر والتدقيق، والبحث والتحقيق.

الوجه الثاني: أنا لو سلمنا جدلًا أن في تلك الآيات التي ذكر المؤلف ذمًا لبعض الصحابة، فمن أين له الحكم على بعضهم أنهم هم المعنيون بها دون البعض الآخر، ممن تعتقد الرافضة عدالتهم من الصحابة، وعلى رأسهم علي - رضي الله عنه -، فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل، وإلا فلغيره أن يدعى ما يشاء، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي - رضي الله عنه - أو النواصب على تفسيقه، فلن يجد المؤلف ولا غيره من الرافضة حجة يدفعون بها عن علي - رضي الله عنه - إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعًا.

الوجه الثالث: أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء، وزكاهم أعظم تزكية، وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، ووصفهم بالإيمان والتقوى، ووعدهم بالحسنى، كقوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم

بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري

تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم. (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت