فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 105

وأما قوله:"ولم يسمُّوا من استحل دماء المسلمين، ومحاربة أمير المؤمنين مرتدًا، مع أنهم سمعوا قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:"يا علي حربك حربي وسلمك سلمي ومحارب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كافر بالإجماع"."

فيقال في الجواب: أولًا: دعواهم أنهم سمعوا هذا الحديث من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أو عنه كذب عليهم، فمن الذي نقل عنهم أنهم سمعوا ذلك؟ وهذا الحديث ليس في شيء من كتب علماء الحديث المعروفة، ولا رُوي بإسناد معروف. ولو كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قاله لم يجب أن يكونوا قد سمعوه، فإنه لم يسمع كلّ منهم كل ما قاله الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فكيف إذا لم يُعلم أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال، ولا روي بإسناد معروف؟ بل كيف إذا عُلم أنه كذب موضوع على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم باتفاق أهل العلم بالحديث؟ [1] .

وعليّ رضي الله عنه لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما كان رأيًا رآه.

وقال أبو داود في سننه [2] :"حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، حدثنا ابن عليّة، عن يونس، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي رضي الله عنه: أخبرنا عن مسيرك هذا: أعهد عهده إليك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد إليّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا، ولكنه رأي رأيته".

ولو كان عليّ محاربًا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مرتدًا، لكان عليّ يسير فيهم السيرة في المرتدين. وقد تواتر عن عليّ يوم الجمل لما قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم، ولم يُجهز على جريحهم، ولم يغنم لهم مالًا، ولا سبى لهم ذرية، وأمر مناديه ينادي في عسكره: أن لا يُتّبع لهم مُدبر، ولا يُجهز على جريحهم، ولا تُغنم أموالهم. ولو كان عنده مرتدين لأجهز على جريحهم واتبع مدبرهم.

(1) لم أجد هذا الحديث الموضوع.

(2) 4/300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت