فهرس الكتاب
يقضى بالاستدلال من واقع الحال والقميص المُمَزَّق لنجحت مكيدة ومكر المرأة في إلصاق التهمة بالبرىء يوسف. ثم مكرت زليخا بنساء المدينة اللاتى تحدثن عنها بالسوء، واستدرجتهن إلى مأدبة ليقطّعن أيديهن، ثم تسبب مكرها في سجن يوسف البرىء بضع سنين!!
ويفسر الإمام النسفى رضى الله عنه كلام العزيز بقوله: إن هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال"من كيدكن"الخطاب لها ولأمتها - بنات جنسها - لأنهن ألطف كيدًا وأعظم حيلة، وبذلك يغلبن الرجال، ومعهن ما ليس مع غيرهن من البوائق - المهلكات -". وينقل الإمام النسفى عن بعض العلماء مقولة طريفة بهذا الشأن: إنى أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى قال:"إن كيد الشيطان كان ضعيفًا"وذكر مقولة العزيز عنهن:"إن كيدكن عظيم" (1) انتهى. وهناك مثل شائع في الريف المصرى يقول:"كيد النسا غلب كيد الرجال"."
ونعتقد أنه يمكن فهم الكلام النبوى الشريف بوضوح على ضوء هذه الآية الكريمة من سورة يوسف، وأقوال العلماء بشأنها. وهكذا فإن النبي عليه السلام يقرر فقط حقيقة طريفة هى أن النساء يغلبن بمكرهن وحيلتهن أعقل الرجال وأقواهم. ألا ترى مصداقًا لهذا أنه حتى حاكم مصر - العزيز - كاد أن ينخدع وتنطلى عليه حيلة امرأة؟!! بل خضع بعد ذلك لإرادة امرأته المذنبة، ورغم ثبوت براءة يوسف، قرر الزوج الحاكم سجنه لاحتواء آثار الفضيحة التى سببتها زوجته بمراودة يوسف عن نفسه!! وكم من عروش سقطت، وكم من جيوش أُبيدت، وكم من حضارات زالت بمكرهن!!.
وكان الأقرب إلى المنطق العقلى البحت أن يقولوا: إن في هذا الحديث ذَمًَّا للرجال وليس النساء .. فهو يعجب من تغلبهن - على ضعفهن ورقتهن - على الرجال المفترض أنهم عقلاء وأقوياء. وعادة فإن الناس يلومون المغلوب وليس الغالب في مثل هذه الأحوال. وهو إعجاب منه بذكائهن وحيلتهن الفطرية التى تتفوق على تفكير الرجل مهما كان عاقلًا، وتكون النتيجة لصالحها هى. إنك حين ترى طفلًا صغيرًا ضعيفًا يستخدم الحيلة ليهزم عملاقًا ضخمًا قويًا ويطرحه أرضًا، سوف تتعجب، وإذا سألته: كيف تتغلب وأنت طفل صغير ضعيف على هذا العملاق الضخم، فإنك بذلك لم تنتقص من قدره بل أنت وصفت حقيقته في الواقع، وهى أنه طفل صغير ضعيف، وتعجبت بل وأعجبت بذكائه ودهائه الذى مَكَّنه من الانتصار على هذا العملاق القوى. وهذا بالضبط ما فعله عليه السلام، فإنه لم يزد على أن أبدى دهشته وتعجبه