فهرس الكتاب
وجاءت الحرب العظمى الأولى ثم الثانية، وقتل عشرات الملايين من الشباب الأوربيين والأمريكان. وواجهت المرأة قسوة المحنة بكل بشاعتها. فقد وجدت ملايين من النساء بلا عائل، إما لأن عائلهن قد قتل في الحرب، أو شُوِّه، أو فسدت أعصابه من الخوف والذعر والغازات السامة الخانقة، وإما لأنه خارج من حبس السنوات، يريد أن يستمتع ويرفه عن نفسه، ولا يريد أن يتزوج ويعول أسرة تكلفه شيئا من المال والأعصاب.
ومن جهة أخرى لم تكن هناك أيدٍ عاملة من الرجال تكفى لإعادة تشغيل المصانع لتعمير ما خرَّبته الحرب. فكان حتمًا على المرأة أن تعمل وإلا تعرَّضت للجوع هي ومن تعول من العجائز والأطفال. وكان حتمًا عليها كذلك أن تتنازل عن أخلاقها. فقد كانت أخلاقها قيدًا حقيقيًا يمنع عنها الطعام! إن صاحب المصنع وموظفيه لا يريدون مجرد الأيدى العاملة، فهم يجدون فرصة سانحة، والطير يسقط من نفسه - جائعًا - ليلتقط الحَب، فما الذي يمنع من الصيد؟
وما دامت قد وجدت - بدافع الضرورة - امرأة تبذل نفسها لتعمل، فلن يتاح العمل إلا للتى تبذل نفسها للراغبين. ولم تكن المسألة مسألة الحاجة إلى الطعام فحسب.
فالجنس حاجة بشرية طبيعية لا بد لها من إشباع. ولم يكن في وسع الفتيات أن يشبعن حاجتهن الطبيعية ولو تَزَوَّج كل من بقى حيًا من الرجال، بسبب النقص الهائل الذى حدث في عدد الرجال نتيجة الحرب. ولم تكن عقائد أوربا وديانتها تسمح بالحل الذى وضعه الإسلام لمثل هذه الحالة الطارئة، وهو تعدد الزوجات. لذلك لم يكن بُدٌّ للمرأة أن تسقط راضية أو كارهة لتحصل على حاجة الطعام وحاجة الجنس، وترضى شهوتها إلى الملابس الفاخرة، وأدوات الزينة، وسائر ما تشتهيه المرأة من أشياء.
وسارت المرأة في طريقها المحتوم، تبذل نفسها للراغبين، وتعمل في المصنع والمتجر، وتشبع رغباتها عن هذا الطريق أو ذاك. ولكن قضيتها زادت حِدَّة. فقد استغلت المصانع حاجة المرأة إلى العمل، واستمرَّت في معاملتها الظالمة التى لا يبررها عقل ولا ضمير، فظلت تمنحها أجرًا أقل من أجر الرجل الذى يؤدى ذات العمل في ذات المكان.
ولم يكن بد من ثورة. ثورة جامحة تحطِّم ظلم أجيال طويلة وقرون. وماذا بقى للمرأة؟ لقد بذلت نفسها وكبرياءها وأنوثتها، وحرمت من حاجتها الطبيعية إلى أسرة وأولاد تحس بكيانها فيهم،