الصفحة 116 من 237

وكذلك روى البخاري وغيره حديثًا مهمًّا في باب"الغيرة"يتضمَّن عددًا من الدروس والحِكَم البليغة وضوابط خروج المرأة من المنزل للعمل أو لغير ذلك من الضرورات.

يحكى الحديث قصة وقعت للسيدة أسماء بنت أبى بكر الصديق - رضي الله عنهما - كانت أسماء زوجة للزبير بن العَّوام - رضي الله عنهما - وهاجرت لتعيش معه في المدينة؛ حيث لم يكن لهما أى مال سوى جمل يجلب عليه الماء من بئر بعيدة إلى البيت، وفرس يركبه للقتال والسفر مع النبى - صلى الله عليه وسلم - كان الزبير يسعى خارج البيت في طلب الرزق، بينما تقوم أسماء بالأعمال المنزلية ومنها عَلْف - إطعام - الفرس. ونظرًا لضيق الحال كانت تخرج وتمشى حوالى ثلاثة كيلومترات إلى قطعة أرض صغيرة أعطاها النبى - عليه السلام - للزبير، لتحضر منها نوى التمر إلى البيت لتطحنه وتعلف به الفرس. وذات مرة كانت أسماء تحمل النوى على رأسها عائدة إلى البيت فقابلها النبى - صلى الله عليه وسلم - ومعه بعض أصحابه، فأناخ ناقته لتركب أسماء خلفه رحمة بها من ثقل ما تحمل على رأسها. لكن أسماء استحت، وتذكرت شدَّة غيرة زوجها الزبير - رضي الله عنه - وكان أغير الناس بنصِّ كلام أسماء - عند البخاري - وأدرك النبي - عليه السلام - بفطنته الأمر فمضى بغير كلام معها وتركها وشأنها. وعندما جاء زوجها الزبير حكت له ما جرى وأنها أبت الركوب مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تجنبًا لإثارة غيرته، فقال لها الزبير: والله لحملك النوى كان أشد علىَّ من ركوبك معه. وأضافت أسماء أن أباها أرسل إليها بعد ذلك خادمًا لرعاية وإطعام الفرس فأراحها من هذا العناء, وعلى حد وصفها"فكأنما أعتقنى"تعني أنه أراحها من عمل شاق كالعبيد خارج البيت.

من هذا الحديث يمكن إيجاز بعض الضوابط ليس لعمل المرأة فقد بل لخروجها من البيت لأية حاجة:

1 -لم تخرج أسماء لإحضار النوى من أرض بعيدة عن البيت - ثلاثة كيلومترات - إلا لأن الزبير لم يكن موجودًا، ولا مفرَّ من إطعام الفرس بهذا النوى الذى تجلبه من هذا المكان، كما أنها لم تستغرق من الوقت إلا القدر الضرورى فقط لإنجاز المهمة دون زيادة. وبطبيعة الحال فإن ابنة أبى بكر لا شكَّ أنها كانت تخرج بكل الوقار والاحتشام مرتدية حجابا كاملا يغطى كل شيء.

2 -لم تتحدث السيدة أسماء مع أحد من الرجال الأجانب، ولا تحدث معها أحد من الصحابة الذين كانوا برفقة النبى - صلى الله عليه وسلم - بل هي لم تتحدث حتى مع النبى المعصوم الذى هو فوق مستوى الشبهات، وهو زوج أختها، ورغم كل هذا استحت كما قالت بالنص:"فاستحييت أن أسير مع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت