فهرس الكتاب
والسنن من أحاديث متواترة لا خلاف عليها، وكلها تثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بايع النساء كما بايع الرجال.
ولئن قال البعض أن البيعة شأن دينى محض، فالرد عليه بأن الإسلام ينظم كل نواحى الحياة وليست العبادات فقط، بل هو عبادات ومعاملات، وهو ينظم الشئون السياسية كما ينظم الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها من العقود.
وإذا كان لهن حق البيعة كما بايع الرجال، فلهن - من باب أولى - حق الانتخاب والإدلاء بالرأي كالرجال، فليست الأمور السياسية - وهى دنيوية - بأخطر ولا أهم من الدين، بل إن حسن السياسة هو ذاته من الإسلام.
قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12] .
والثابت من كل كتب السيرة النبوية أن ثلاث نساء - أو اثنتين على الأقل -كانتا من بين الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيعة العقبة الكبرى - الثانية - في السنة الثالثة عشرة من البعثة قبل الهجرة الشريفة إلى يثرب بقليل. والمرأتان هما الصحابيتان الجليلتان نُسيبة بنت كعب - أم عمارة - من بنى النجار، وأسماء بنت عمرو - أم منيع - من بنى سلمة (6) . وبيعة العقبة هذه تعتبر أول مؤتمر عقدته الجمعية التأسيسية الأولى التى مَهَّدت لقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة يثرب.
وقد أورد الإمام البخاري بيعة النساء في باب يحمل ذات الاسم, وفيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يبايع النساء بالكلام بالآية السابقة - رقم 12 من سورة الممتحنة - وقالت:"وما مسَّت يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة إلا امرأة يملكها". وأورد البخاري أيضًا حديثًا آخر يثبت بيعة النساء عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها - وروى حديث البيعة أيضًا النسائى والترمذى وأحمد وابن ماجه. وكانت مبايعة على التوحيد ومكارم الأخلاق وتجنب الفواحش والكبائر والطاعة في المعروف، إلا أنها كانت تتضمَّن أيضًا إقامة الدولة الإسلامية علي هذه الأسس، وطاعة الرسول - عليه السلام - كنبي وأيضًا كحاكم للدولة الوليدة التى تأسست في يثرب بعد الهجرة. فللبيعة جانبها السياسى أيضًا، وقد شاركن فيها كما شارك الرجال.