فهرس الكتاب
ومن مفاخر الإسلام التى لم يسبقه أحد إليها أنه أعطى المرأة الحق في اختيار شريك حياتها، ونهى الأولياء عن الإكراه أو التسلُّط عليهن أو إجبارهن على الزواج بمَن لا يرضين به، وأوجب على القضاء إبطال كل عقد يتم بالإكراه وإلغاء كل آثاره. والنصوص في ذلك واضحة كل الوضوح في القرآن الكريم وفى السُّنَّة المطهَّرة.
فمن القرآن قوله - تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] , وقال ابن عباس - رضي الله عنه - شرحًا لهذه الآية: كان الرجل إذا مات في الجاهلية يكون أولياؤه - أقاربه - أحق بامرأته - بأرملته - إن شاء بعضهم تزوَّجها بعده، وإن شاءوا زَوَّجُوها لغيرهم، وإن شاءوا منعوها من الزواج، فهم أحقُّ بها من أهلها، فنزلت الآية الكريمة لترفع هذا الظلم عنها. وروى أبو داود عن ابن عباس أيضًا أن الرجل كان يرث إمرأة ذى قرابته، فيعضلها - يحبسها ويمنعها من الزواج - حتى تموت فيرث أموالها, أو تدفع إليه ما تحصل عليه من مهر وأموال فنهى الله - تعالى - عن ذلك.
وفى لفظٍ لابن جرير وابن أبى حاتم: فإذا كانت جميلةً تزوَّجها قريب زوجها المتوفَّى, وإن كانت دميمةً حبسها - منعها من الزواج - حتى تموت فيرثها. وقال الزهرى وأبو مجلز: كان من عاداتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه - من غيرها - أو أقرب عصبته من الرجال ثوبه على تلك الأرملة فيصير أحقَّ بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوَّجها بغير مهر، وإن شاء زَوَّجَها غيره وأخذ مهرها من الزوج الجديد لنفسه ولم يعطها شيئًا، وإن شاء حبسها وضيَّق عليها إلى أن تفتدى نفسها منه بأن تعطيه ما ورثته عن زوجها الميت, أو تموت فيرثها قريب الزوج هذا. وقيل: الخطاب في الآية للأزواج، ونهى لهم عن إمساك الزوجات مع إساءة العشرة طمعًا في ميراثهن أو لإجبارهن على رد المهور (11) . وفى آية أخرى قال ربنا عز وجل:"وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف"الآية 232 من سورة البقرة.
قال الشوكانى في تفسير الآية: الخطاب إما يكون للأزواج، فيكون نهيًا لهم عن منع المطلقات أن يتزوجن من أردن من أزواج آخرين بعد انقضاء العدة، لحمية الجاهلية كما يقع كثيرًا من الخلفاء والسلاطين غَيْرَةً على مَن كُنَّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم. وإمَّا أن يكون الخطاب للأولياء فيكون المعنى: لا تمنعوهن من الزواج مرة ثانية بمَن طلقهن من الرجال إذا تراضى الطرفان بالمعروف. ويؤيد هذا المعنى الحديث الذى رواه البخارى وغيره عن معقل بن