فهرس الكتاب
يسار - رضي الله عنه الذى - قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم فأنكحتها - زوجتها إياه - فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها. فهويها - اشتاق إليها بعد الطلاق - وهويته - أحبَّته واشتاقت إليه - ثم جاء يخطبها - مرَّة أخرى بعد انقضاء العدة - فقلت له: يا لكع - لئيم - أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها؟! والله لا ترجع اليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجة كل منهما إلى الآخر، فأنزل الله الآية {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} [البقرة: 232] , فَكَفَّرَت عن يمينى وزوجتها إياه. وفى رواية أخرى قال له: أزوِّجك وأكرمك.
وقد أوردت كتب السيرة والسنة العديد من الأحاديث ومواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - القاطعة ببطلان الزواج الذى يتمُّ بالإكراه أو دون مشورة المرأة. ومنها ما ذكره البخاري ومسلم في باب (لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب - من سبق لها الزواج - إلا برضاهما) فقد روى أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُنكح الأيِّم حتى تُستأمر, ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن» , فقالوا: يا رسول الله, وكيف إذنُها؟ قال: «رضاها صمتها» , وعلق الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث بجامعة الأزهر على الحديثين قائلًا: استئمار مَن سبق لها الزواج - الأرملة أو المطلَّقة - يعنى: حصول الأمر والإذن الصريح؛ أي: موافقتها على الزواج صراحة، وأمَّا استئذان البكر فيعنى الإطمئنان لحصول إذنها وموافقتها على الزواج بأية قرينة - مثل سكوتها وعدم اعتراضها - وبالطبع يمكنها أن ترفض وتصرِّح بالرفض، أو تُصَرِّح بالموافقة إذا أرادت (13) . انتهى.
وروى أبو داود في (باب الاستئمار) قوله - عليه الصلاة والسلام: «تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» . ولا يقتصر الإسلام على اشتراط موافقة العروس لإتمام عقد الزواج بكرًا كانت أو أرملة أو مطلقة، بل يخطو أبعد من ذلك بأن يأمر الرجال بمشورة الأمهات والجدَّات واستطلاع آرائهن في زواج بناتهن. روى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «آمروا النساء في بناتهن» .
وهذه خطوة حضارية غير مسبوقة, فما كان الناس قبل الإسلام يقيمون وزنًا للنساء، ولا يعتبرونهن ذوات أرواح أو عقول، وما كان لرأى إحداهن في زواجها هي أي اعتبار, فكيف بزواج ابنتها أو حفيدتها؟!!
وتتجلى الحكمة والرحمة والنبل أيضًا في هذا الأمر النبوى الكريم، إذ لا يعقل ألا تحاط الأم علمًا ولا يؤخذ رأيُها في مَن يتقدَّم للزواج من فلذة كبدها - وكذلك الجدات - وقد يكون لإحداهن