فهرس الكتاب
دراية بعيوب في الخاطب لا علم للأب أو الولى الذكر بها، وقد تكون الأم - وهذا هو الغالب - قد علمت من ابنتها أمرًا بشأن هذا الزواج أو رفضها للخاطب ويمنعها الحياء من ذكر هذا لأبيها, والبنات يذكرن للأمهات ما يستحيل عليهن مفاتحة الآباء بشأنه أو حتى مجرد الإشارة إليه في حضوره من قريب أو بعيد.
فإذا أبرم الأب أو الولى عقد الزواج بدون رضا المرأة فإن القاضى يبطل هذا العقد ويجعل الخيار في إلغائه أو إقراره بيد المرأة وحدها. روى البخاري عن خنساء بنت خدام الأنصارية - رضي الله عنها - أن أباها زَوَّجها - وهى ثِيِّب - فكرهت ذلك, فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبطل نكاحها. وفى رواية عبد الرزاق أنها قالت: إن أبى أنكحنى وإن عم ولدى أحب إلى فرد النبى نكاحها وزَوَّجَها بمَن أرادت. ولا يقتصر الأمر على الثيب فقط، بل أبطل النبى - صلى الله عليه وسلم - تصرُّف الولي بتزويج البكر بدون رضاها، وجعل لها الخيار في الإبقاء على هذا العقد وإجازته أو رفضه وفسخه. والدليل ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما:"أن جارية بكرًا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت أن أباها زَوَّجَها وهى كارهة - غير راضية - فَخَيَّرَهَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم"رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه - رضي الله عن الجميع - وقال الإمام الصنعانى تعليقًا على هذا الحديث:"هذا الحديث دلَّ على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح، وغيره من الأولياء من باب أولى". ووصف الصنعانى الحكم هنا بأنه حكم عامٌّ لعموم علَّته؛ فأينما وجدت الكراهة - كراهة البكر للزواج - الذى يُبرمه الولى - ثبت الحكم" (14) ؛ أي: أنه في كل حالة تكره البكر فيها الزواج الذى يعقده أبوها بغير رضاها يحرم هذا العقد، ويثبت للفتاة حقُّ الاختيار بين الموافقة على هذا الزواج أو فسخه. والواقع أن هذا الحكم العظيم يتَّفق تمامًا مع القاعدة العامَّة في العقود والمعاملات، والتى تتَّفق حتى مع كل القوانين الوضعية وهى بطلان كل عقد أو تصرُّف يتمُّ بالإكراه أو بدون تراضى كل أطراف العقد أو التصرُّف القانوني, ولم يأت أي تشريع في العالم بأفضل من هذا حتى اليوم."
وتعطينا رواية للإمام النسائى واقعة أخرى أو تفاصيل أخرى إن كانت ذات الواقعة السابقة، فقد روى - رضي الله عنه:"عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبى زوَّجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته - ليكرمه ويرفع من شأنه بهذا الزواج - وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل - عليه السلام - الأمر إليها - أعطاها حق الإختيار - فقالت: يا رسول"