فهرس الكتاب
الله, قد أجزت ما صنع أبى، ولكن أردت أن أُعلِّم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء - ليس لهم تزويج بناتهم بالإكراه - ولفظ النساء عامٌّ يشمل الثَيِّب والبكر، وقد قالت هذا عنده - صلى الله عليه وسلم - فَأقَرَّها عليه (15) .
ولن يجد الباحث المنصف شيئًا كهذا في أيَّة أمَّة أخرى وقت ظهور الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا. فالفتاة الشجاعة الذكية واجهت الجميع برأيها وحسن فهمها للإسلام وأقرّها - عليه السلام - وأرادت البنت أن توجَّه رسالة للكافَّة بأنَّه لا يحقُّ للآباء ولا غيرهم إجبار النساء على الزواج بمَن لا يرضون. وهذه الواقعة دليل قاطع أيضًا على تمتُّع المرأة بحرية الرأي، فلم يمنع النبي - عليه السلام - تلك الفتاة من الجهر برأيها رغم أنها وافقت على ما صنعه أبوها.
ضمانات حقوق الزوجة
ولا يقتصر الأمر على اشتراط رضا وموافقة المرأة لصحة الزواج، إذ نلاحظ أن كل أركان وشروط صحة العقد هدفها الأساسى حماية مصالح الزوجة في المقام الأول، وكذلك صَوْن سمعتها وحفظ حيائها وعفافها وإحصانها بأسلوب شريف نظيف. وعلى سبيل المثال يقول النبى صلى الله عليه وسلم:"أعلنوا النكاح"رواه أحمد وصححه الحاكم. وفى رواية أخرى للترمذى قال صلى الله عليه وسلم:"أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم إمرأة وقد خضّب بالسواد فليعلمها لا يغَرَّها".
ومن الواضح أن أمره الشريف بإعلان الزواج يستهدف حماية سمعة الطرفين - وخاصَّة المرأة - ليعلم الجميع أنهما تزوَّجا على سنة الله ورسوله عليه السلام فلا يظن بهما الناس شرًّا حين يرونهما معًا, وكذلك لحماية الأطفال الذين يولدون لهما فيعرف الجميع أنهم ثمرة زواج شرعى وليس سفاحًا مُحرَّمًا. ونلاحظ في الرواية الثانية أمرًا شريفًا آخر للرجل إذ كان قد صبغ شعره بالسواد بأن يصارح مَن يريد الزواج بها بذلك لتعرف حقيقة عمره, ولا تنخدع بالسواد المصطنع في شعره وتظنه شابًّا صغيرًا. وقد أمر - عليه السلام - الرجل بهذا ولم يأمر به المرأة رغم أن الصراحة والأمانة مطلوبة بل هى فرض على الجميع، لكنه التلطُّف والرقة من خير خلق الله صلى الله عليه وسلم. كذلك يشترط ولى وجود لإبرام عقد الزواج - أب أو جَد أو أقرب الذكور إن لم يوجد أب أو جد - لأنها تستحى عادة من الكلام في أمور النكاح، فأعفاها الإسلام من الحرج، وجعل لها وكيلًا