الصفحة 72 من 237

منها غيره"رواه مسلم وأحمد بن حنبل. والمعنى الواضح أن كل زوجة - مثل أى إنسان - فيها مزايا ولها عيوب، فلا يكره الرجل زوجته لعيب فيها طالما أنها مؤمنة، وليبحث في مزاياها فسوف يجد فيها من الصفات الحسنة ما يرضيه ويقنعه بالاحتفاظ بها وعدم تطليقها."

التحكيم

وقد ابتكر الإسلام نظامًا اجتماعيا بالغ الحكمة والتأثير في الحد من حالات الطلاق وحصرها في أضيق نطاق ممكن. قال الله - تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} الآية 35 من سورة النساء.

ونرى هنا أمرًا إلهيًّا للمجتمع الإسلامي بالتدخُّل في حالة حدوث نزاع ومشاكل بين الزوجين، لمحاولة حل الخلافات والإصلاح - تحقيق الصلح - بينهما قبل أن يزداد الوضع سوءًا وينتهى بهما إلى الطلاق. ونلاحظ هنا أن الله - تعالى - أمر بندب حكم من أهلها مثلما أمر بندب حكم من أهله حتى لا يزعم أحد أن هناك ظلمًا لها، والله تعالى هو ربها أيضًا وليس ربه وحده.

ويشترط في الحكمين أن يكونا من أهل الصلاح والتقوى والخبرة, وأن يقصد كلاهما الإصلاح بنية صادقة حتى يوفقهما الله في سعيهما للصلح, وأن يجتهدا لمعرفة المخطئ منهما ورَدِّه إلى صوابه. ونلاحظ هنا الحكمة البالغة في اشتراط كون الحكمين من أهل الزوجين؛ لأنهما في هذه الحالة أدرى بهما, كما أنهما سيحرصان على مصالحهما ومصالح أطفالهما, وسوف يحافظان على سرية ما قد يَطَّلعان عليه من أمور حَسَّاسة لا يجوز مطلقًا إفشاءها حرصًا على سمعة العائلة ومستقبل الأطفال. ولذات السبب حدَّد ربنا حكمًا واحدًا من هنا وآخر من هناك, ولم يَقُل جماعة كبيرة من الحُكَّام حتى لا تُفشى أسرار البيوت, ولتقليل احتمالات الخلاف بين الحُكَّام أنفسهم. وغالبًا ما تنجح جهود الحكمين إذا صدقت النية في الإصلاح, وامتثل المخطئ من الزوجين, وأذعن للحق، واستمع الجميع إلى نداء الحكمة والإصلاح الذى يحرص عليه الإسلام كل الحرص.

فإذا بذل الحكمان أقصى ما في وسعهما بإخلاص وتجرُّد لوجه الله, وفشلت كل محاولات التوفيق والإصلاح بين الزوجين, فإن هذا يعنى شدة الخلافات والنفور. والشقاق معناه: أن يأخذ كل منهما شقًا أى مكانًا بخلاف مكان صاحبه كناية عن التباعد والنفور. وفى مثل هذه الحالة لا مفرَّ من الانفصال بأقل الخسائر. ولا يقولنَّ متنطعٌ أنه يجب إجبارهما على العيش معًا, فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت