فهرس الكتاب
"بُريرة"هي الجارية التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجته عائشة أن تعتقها بعد أن اشترتها من مالكها. وكان زوج بريرة عبدًا اسمه مُغيث, وحصلت زوجته بُريرة على حريتها بالعتق قبله, فخيَّرها النبي عليه السلام بعد العتق بين البقاء مع مُغيث أو الانفصال عنه - الفسخ بسبب العتق - فاختارت الفسخ لأنها كانت تكرهه. وأورد البخاري قصتها تحت عنوان:"باب شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - في زوج بُريرة". وذكر ابن عباس - رضي الله عنهما - في الحديث عن مُغيث زوجها أنه كان يمشى خلفها في طرقات المدينة يبكى وتسيل دموعه على لحيته لأنها فارقته! وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس:"يا عباس ألا تعجب من حُبِّ مُغيث بريرة ومن بُغض بريرة مُغيثًا؟!!"وفى رواية أبى داود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لبُريرة:"يا بُريرة اتقِ الله فإنه زوجك وأبو ولدك"فقالت: يا رسول الله أتأمرنى بذلك؟ قال:"لا. إنما أنا شافع", فرفضت بُريرة البقاء معه بعد أن أعتقتها السيدة عائشة - رضي الله عنها - وفى رواية البخارى قالت:"لا حاجة لى فيه". (27)
ونرى أن قصة"بُريرة"تُلَخِّص تمامًا وبكل وضوح ما قدَّمه الإسلام للمرأة:
فماذا كانت"بريرة"قبل الإسلام؟ مجرد جارية تُباع في السوق ببضعة دنانير أو دراهم , تنتقل من سيد إلى آخر بلا إرادة منها ولا حول ولا طول, يضاجعها سيدها وقتما يشاء أو يأمرها بمضاجعة ضيوفه تكريمًا لهم رغم أنفها, أو يُجْبِرَها على ممارسة الدعارة كسبًا للمال, يُطعمها الفتات, ويبيعها أو يقتلها بلا حساب أو عقاب من أحد ..
وجاء الإسلام فحررها من هذا الهوان. ردَّ إليها إنسانيتها المُهدرة وكرامتها وحريتها, ثم أعطاها الحق في اختيار زوجها بعد العتق؛ لأنها تبدأ حياة جديدة مع الحرية والإسلام, وربما كان سيدها السابق هو الذى أجبرها على هذه الزيجة لتنجب كثيرًا من الأطفال ليصبحوا عبيدًا له بدورهم - كما كانوا يفعلون - فمن الرحمة والعدل أن تسترد بعد تحريرها كل حقوقها, ومنها حقها المشروع في اختيار زوجها شريك حياتها ووالد أطفالها.
وقصة بُريرة تُثبت بوضوح ويقين أن الإسلام أعطى المرأة أيضًا الحق في التعبير وحرية الرأى والتقاضي على أوسع نطاق ممكن لأول مرة في تاريخ البشرية.
ونتأمل حوارها مع النبى صلى الله عليه وسلم ونتساءل: أكانت أية جارية - أو حُرَّة - تتجرأ في ذلك الوقت أو قبله أو بعده على الدخول - مجرد الدخول - إلى مجلس ملك من ملوك الأرض - كسرى أو قيصر مثلا - فضلًا عن الكلام معه أو مجادلته ثم رفض الاستجابة إلى شفاعته؟!!