فهرس الكتاب
فالحد الأقصى لنفاذ الوصية لا يتجاوز بأى حال ثلث التركة , وما زاد على الثلث لا ينفذ إلا برضا الورثة.
عن سعد بن أبى وقاص - رضي الله عنه - قال:"قلت يا رسول الله أنا ذو مال ولايرثنى إلا ابنة لى واحدة, فأتصدق بثلثي مالي؟ قال عليه السلام: لا, قلت: فأتصدق بشطره - بنصفه؟ قال: لا, قلت فأتصدق بثلثه؟ قال عليه السلام:"الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"متفق عليه. وهكذا ينهى عليه السلام عن الوصية بأكثر من الثلث حرصًا على مستقبل الورثة وخاصة الأطفال الصغار والأرملة والأبوين الطاعنين في السن. وأوضح - عليه السلام - أن تركهم أغنياء بما يرثون خير وأفضل قطعًا من أن يوصى مورثهم بكل التركة أو معظمها لغيرهم ويتركهم فقراء محتاجين يتسوَّلون الطعام والملابس من الناس."
وأبلغ وأقوى دليل على عظمة هذا التشريع الذى جاء به الإسلام منذ أكثر من 14 قرنًا أن دولًا عديدة في عصرنا اضطرت إلى الأخذ بهذا المبدأ. ومثال ذلك فرنسا التى اضطرت إلى إصدار قانون عام 1972م - منذ 37 عامًا فقط - يأخذ بمبدأ تحديد مقدار الوصية المسموح بها للحفاظ على حقوق الورثة (2) . وسبب صدور القانون هو ما لوحظ من انتشار ظاهرة التوصية بمعظم التركة أو كل التركة للعشيقات الفرنسيات دون الأولاد والزوجات, أو وجود خلافات زوجية أو عائلية طاحنة تتسبَّب في رغبة الكيد للزوج أو الأولاد العاقين مثلًا, فيوصى المورث لآخرين بالتركة انتقامًا منهم. وقد أخذوا أيضًا بقاعدة الوصية وتسديد الديون أولًا ثم توزيع باقى التركة على الورثة, وهى التي وردت في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] . واقتباس فرنسا ودول أخرى كثيرة لما جاءت به الشريعة الإسلامية -مبدأ وضع حد أقصى لمقدار الوصية حرصًا على حقوق الورثة- يثبت ما قلناه ونقوله دائمًا وهو: أنه لا يمكن لبشر الإتيان بأفضل من الحلول التى جاء بها الإسلام , ولو لم يفهم البعض أسرارها أو أسبابها, فسوف تأتى أجيال أخرى تكتشف الأسرار الإلهية والأسباب المنطقية للشرع الحكيم.
ورغم أنهم أخذوا في فرنسا بهذا الجزء الخاص بتحديد الوصية إلا أن القانون الفرنسى ما تزال به ثغرة خطيرة هائلة حتى الآن. وإنها لصفعة مدوية على وجوه الحاقدين عندما يعلمون أن فرنسا - أم القوانين والحريات المزعومة - لا تعطى نصيبًا في باقى التركة - بعد الوصية - للزوجة ولو كانت قد أفنت عمرها وشبابها مع المورث وأنفقت عليه كل مدخراتها!! في قلب أوروبا