فهرس الكتاب
ونقل الإمام البغوى في تفسيره"معالم التنزيل"مقولة الكلبي ومجاهد:"هذا الخطاب للأولياء، وذلك أنَّ وَليَّ المرأة كان إذا زوَّجها، فإن كانت معهم في العشيرة لم يُعْطِها من مهرها قليلًا ولا كثيرًا، وإن كان زوجها غريبًا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. وقال الحضرمي: كان أولياء النساء يُعطي هذا أُختَه على أن يعطيه الآخرُ أُخته، ولا مهرَ بينهما، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بتسميةِ المهر في العقد. انتهى."
وقال آخرون: النِّحْلة هي العطية, وعلى ذلك يكون المهر عطية من الله للمرأة. وقال أصحاب"المنتخب في التفسير": أن معنى الآية هو:"وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة وليس لكم - أي الرجال - حق في شىء من هذه المهور"انتهى (7) .
وإذا كان الأمر بدفع المهر إلى المرأة صريحًا وقاطعًا في الآية, فإنها أضافت إلى ذلك نهيًا عن أخذ شىء منها بدون رضاها وذلك في قوله - تعالى - بذات الآية: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .
والمعنى كما ذكر أصحاب"المنتخب":"فإن طابت نفوسهن بالنزول عن شىء من المهر - لزوجها أو لوليها - فخذوه وانتفعوا به طيبًا محمود العاقبة"انتهى.
وقد تكرَّر النهى الصريح عن الاستيلاء على المهر أو اغتصاب شيء من أموال المرأة في العديد من الآيات.
قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] . وقالت الآية التى تليها مباشرة: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20] , قال الشوكانى في"فتح القدير": هذا الكلام متَّصل بما تقدم قبله من ذكر الزوجات والمقصود نفى الظلم عنهن, والخطاب للأولياء, وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعًا في إرثهن أو ليفتدين ببعض مهورهن ... والأَوْلى أن يقال أن الخطاب للمسلمين جميعًا أي: لا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم, أي: تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهن, بقصد أن تستولوا على بعض مهورهن مقابل تطليقهن"انتهى."