فهرس الكتاب
الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبِذَوْدٍ وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِي صلى الله عليه وسلموَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَبَلَغَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ»
فهؤلاء النفر من قبيلة عُرينة قدموا المدينة إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وادعوا أنهم مسلمون، وكانوا يعانون من أنواع الأمراض والأوبئة ومنها الحمى وغيرها فلما دخلوا المدينة، ورآهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم رقَّ لحالهم وأمرهم بأن يخرجوا إلى خارج المدينة، وأن يذهبوا إلى الإبل الخاصة بالصدقة التي ترعى في الصحراء والمراعي الطبيعية، حيث نقاء الجو وصفائه، وبُعده من الأمراض والأوبئة، وأمرهم بأن يشربوا من ألبان إبل الصدقة وأبوالها، لأنهم من المسلمين، فلما شربوا منها شفاهم الله تعالى، وعادت لهم صحتهم وحيويتهم ونشاطهم السابق، فانظر إلى فعلهم بعد ذلك:
قابلوا هذا الإحسان والمعروف بالنكران والخيانة.
وكفروا.
وقتلوا رعاة إبل الصدقة.
وسملوا أعينهم.
وسرقوا الإبل وفرُّوا بها.
فأرسل خلفهم النَّبِي صلى الله عليه وسلممن يقبض عليهم فذهب الصحابة إليهم وقبضوا عليهم وجاوؤا بهم وقت الظهر إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلمفأمر بهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم بأن يقتلوا بطريقة تكون فيها عبرة لغيرهم ممن تُسّول له نفسه أن يعتدي على حُرمات المسلمين وأعراضهم وأموالهم ودمائهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وتكحيل أعينهم بحديد محمي على النار فعموا بها حتى ماتوا.
وهذا هو الوارد في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} [المائدة33] .
وهذا نكاية بهم وتعزيزًا لهم وردعًا لغيرهم ممن يتربص بالمؤمنين الشر؛ ليكونوا عبرة لغيرهم من المنافقين والأعراب والمشركين الطامعين في خيرات المدينة.
كما أمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بعدم سقيهم الماء لما عطشوا.
قال الخطابي [1] :"إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم".
(1) كما في فتح البارى 1/ 407.