الصفحة 29 من 70

وقال النووي [1] :"إن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشا".

وهذه عقوبة تعزيرية لهم، يعود للإمام الحق في الاجتهاد في الحكم بها لما يراه من المصلحة في ذلك، وإلا فإن حكم المرتد هو القتل بكل حال لقوله صلى الله عليه وسلم [2] : « مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» إضافة إلى أن هؤلاء قد قتلوا راعي إبل الصدقة بغير حق وظلمًا وعدوانًا، وهو من المسلمين.

ثانيًا: بالنسبة لشرب أبوال الإبل فقد أمرهم النَّبِي بأن يشربوا من ألبانها وأبوالها، وأمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم واجب تنفيذه وطاعته لقوله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور54] وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب36] وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7] وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور63] وقوله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران31] ولقوله صلى الله عليه وسلم [3] : « مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .

وهذا الحديث من إعجاز الطب النبوي الشريف، والأمر مجرَّب محسوس، وكون بعض النفوس الآن لا تشتهي ولا تستسيغ أبوال الإبل فهذا أمر راجع إلى المريض نفسه فإن شاء أن يتعالج به وإن شاء تركه، وهو من باب الأخذ بالأسباب، ولكن مع هذا فإنه يجب عليه أن يؤمن بأن هذا الأمر فيه فائدته ونفع عظيم للمريض، لئلا يشك ويرد أمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم فيقع في المحظور الأعظم.

وأكبر دليل على صدق هذا الأمر هو ما أشار إلى الصحابي بقوله (فشفوا) أي: أن هؤلاء المرضى قد شفاهم الله تعالى بسبب شربهم لألبان الإبل وأبوالها، وصاروا يتمتعون بصحة وعافية، وقد عادت عافيتهم إليهم.

(1) نفس المصدر السابق.

(2) (صحيح) : البخارى 3017، أبو داود 4351، الترمذى 1458، ابن ماجة 2535، أحمد 1874.

(3) (صحيح) : البخارى 7288، مسلم 1337، الترمذى 2679، النسائى 2619، ابن ماجة 1، أحمد 7320.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت