الصفحة 84 من 93

لقد هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، فأمست مكة في ثوب حزن وفي حداد من مفارقة الحبيب ، وبكى عليه الغار الذي صاحبه أيام الشباب .

فانطلق صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكانت في جاهلية جهلاء ، فلما قدم علها:

استفاقت على أذان جديد *** ملؤ آذانها أذان بلال

فكان عبد الله بن سلام الحبر اليهودي من الذين أبصروه صلى الله عليه وسلم عند مجيئه ، وعبد الله بن سلام هذا هو الذي نزل في فيه قوله تعالى: {قُلْ أَرأيتمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } (الاحقاف: من الآية 10) .

فذهب عبد الله لما رأى الناس يجتمعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فنظرت في وجهه فإذا هو ليس بوجه كذاب ؛ لأن وجه الكذاب يعرف بالنظر إليه ، وأما الصادق فنظراته صادقة ولمحاته صادقة .

لو لم تكن فيه آيات مبينة *** لكان منظره ينبيك بالخبر

قال ابن سلام ، فسمعته يتكلم صلى الله عليه وسلم ، واسمع إلى الكلمات التي كأنها الدر أو الجواهر ، بل أغلى من الجواهر .

بالله لفظك هذا سال من عسل *** أم قد صببت على أفواهنا العسلا

أم المعاني اللواتي قد أتيت بها *** أرى بها الدر والياقوت متصلا

لو ذاقها مدنف قامت حشاشته *** ولو رآها غريب داره لسلا

قال صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس أطعموا ، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام ،وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام ) ) (1) ، فلما سمع عبد الله هذا الكلام آمن .

قال صلى الله عليه وسلم: (( لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود لآمن بي اليهود ) ) (2) ، لكنهم لم يكملوا عشرة لأن الله كتب عليهم اللعنة .

(1) 36) صحيح . أخرجه الترمذي (3485) وقال: هذا حديث صحيح ، وابن ماجه (1334،3251) ،والدارمي (1460) عن عبد الله بن سلام ، رضي الله عنه .

(2) 27) أخرجه البخاري (3941) ، ومسلم (2793) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت