فهرس الكتاب
لقد هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، فأمست مكة في ثوب حزن وفي حداد من مفارقة الحبيب ، وبكى عليه الغار الذي صاحبه أيام الشباب .
فانطلق صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكانت في جاهلية جهلاء ، فلما قدم علها:
استفاقت على أذان جديد *** ملؤ آذانها أذان بلال
فكان عبد الله بن سلام الحبر اليهودي من الذين أبصروه صلى الله عليه وسلم عند مجيئه ، وعبد الله بن سلام هذا هو الذي نزل في فيه قوله تعالى: {قُلْ أَرأيتمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } (الاحقاف: من الآية 10) .
فذهب عبد الله لما رأى الناس يجتمعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فنظرت في وجهه فإذا هو ليس بوجه كذاب ؛ لأن وجه الكذاب يعرف بالنظر إليه ، وأما الصادق فنظراته صادقة ولمحاته صادقة .
لو لم تكن فيه آيات مبينة *** لكان منظره ينبيك بالخبر
قال ابن سلام ، فسمعته يتكلم صلى الله عليه وسلم ، واسمع إلى الكلمات التي كأنها الدر أو الجواهر ، بل أغلى من الجواهر .
بالله لفظك هذا سال من عسل *** أم قد صببت على أفواهنا العسلا
أم المعاني اللواتي قد أتيت بها *** أرى بها الدر والياقوت متصلا
لو ذاقها مدنف قامت حشاشته *** ولو رآها غريب داره لسلا
قال صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس أطعموا ، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام ،وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام ) ) (1) ، فلما سمع عبد الله هذا الكلام آمن .
قال صلى الله عليه وسلم: (( لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود لآمن بي اليهود ) ) (2) ، لكنهم لم يكملوا عشرة لأن الله كتب عليهم اللعنة .
(1) 36) صحيح . أخرجه الترمذي (3485) وقال: هذا حديث صحيح ، وابن ماجه (1334،3251) ،والدارمي (1460) عن عبد الله بن سلام ، رضي الله عنه .
(2) 27) أخرجه البخاري (3941) ، ومسلم (2793) .