فهرس الكتاب
و لو كان هذا الكتاب من وضعه بالفعل؛ كما يقولون, وقد تحدى به الإنس الجن فلم يقدروا على الإتيان بمثله, لكان فخره بأنه من وضعه الخاص, ولم يشاركه فيه أحد, أعظم وأولى من أن ينسبه إلى غيره ويصرح بأنه ليس له فيه إلا مجرد التبليغ.
وفي هذا المعنى أيضا, أنه لما فصل الحق في أمر عيسى عليه السلام, قال: ? فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ? {آل عمران:61}
ولو كان يعلم أنه غير صادق لما أقدم على فضح نفسه, لأنهم لو أجابوه لكان فيه بيان كذبه على كل حال, وهو عكس قصده, وإذا لم يجيبوه في حياته فقد يجيبون أتباعه من بعده, فكان فيه إيقاع لهم في الحرج والضيق !
ولما نزلت عليه هذه الآية, بادر إلى الخروج بأهله دون توقف أو تردد, وطالبهم بذلك فامتنعوا, وهم لو تيقنوا كذبه وصدقهم لما كان لامتناعهم عن إظهار صدقهم وكذبه الذي تحداهم به أي معنى.
وهذا لو كان في جزئية من عقيدتهم لَعِيب عليهم إعراضهم عنها؛ مع القدرة على كشف الحق فيها, كيف وهو في أس عقيدتهم ؟!!
وعجزهم - على مر الأيام - عن إسقاط هذه التحديات التي تصرخ في الآفاق بصدق ما جاء به هذا الرجل, وكذب ما هم عليه, من أكبر الآيات على أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكل الذين أصروا على التكذيب بدعوة هذا الرجل؛ رغم وضوحها وقوتها, لا يصح منهم تصديق رسول آخر من رسل الله.
ذلك لأن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوته بطريق الأولى.
فإذا قالوا: عُلمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعُرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا.