فهرس الكتاب
فإن قالوا: لم يعلم به نسبوه إلى أقبح الجهل وكان من علم ذلك أعلم منه ، وإن قالوا: بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه فلا يخلو إما أن يكون قادرًا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادرًا فقد نسبوه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرًا وهو مع ذلك يعزه وينصره ويؤيده ويعليه ويعلي كلمته، ويجيب دعاءه ويمكنه من أعدائه ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به ولا بدعوة إلا استجابها له فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلًا عن رب الأرض والسماء فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندهم شهادة زور وكذب.
وإن فروا من ذلك وقالوا: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق من اتبعه أفلح وسعد, لكنه بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم ؟
قيل لهم: غلبتم كل الغلب، فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق ، وإن من لم يتبعه فهو كافر من أهل الجحيم ، وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب ، وإذا صحت رسالته وجب تصديقه في كل ما أخبر به. (1)
وأختم هذا الحديث بالنقاش الذي دار بين هرقل ملك الروم, وأبي سفيان, وكان وقتئذ على الكفر:
قال أبو سفيان (2) : جئ بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل, فأرسل إليه في ركب من قريش؛ وكانوا تِجَارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله عليه الصلاة والسلام مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش, فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
(1) انظر هداية الحيارى لابن القيم الجوزي رحمه الله (ص 104)
(2) انظر الحديث في صحيح البخاري: بدأ الوحي رقم (7) , ومسلم: الجهاد والسير رقم (4707) .