الصفحة 60 من 64

ذلك لأن الجرائم والتعدي على الحقوق من أعظم الظلم الذي يخل بالنظام, ويختل به الدين والدنيا, فوضع الشارع للجرائم والتجرئات حدودا تردع عن مواقعتها, وتخفف من وطئتها, من القتل, والقطع, والجلد, وأنواع التعزيرات التي ليست غايات, وإنما هي وسائل يحافظ بها على حياة الناس ومصالحهم.

وكلها فيها من المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يعرف به العاقل حسن الشريعة الإسلامية وكمالها, وأن الشرور لا يمكن أن تقاوم وتدفع دفعا كاملا إلا بالحدود الشرعية التي رتبها الشارع بحسب الجرائم قلة وكثرة, وشدة وضعفا. (1)

مبدأ العدل والمساواة في النظام الإسلامي

إننا إذا فحصنا الأنظمة السائدة اليوم في العالم, نجد أنها دائرة بين أمرين: ظلم الضعفة الفقراء, وتوغيلهم فيما هم فيه, أو ظلم الأقوياء الأغنياء وإعلان الحرب ضدهم, أو الأمرين معًا.

والنظام الوحيد الذي يطبق مبدأ المساواة بين الراعي والرعية, والضعيف والكبير, والناس فيه سواسية كأسنان المشط, ولم يعط لأحد امتيازات ويحرم منها غيره بدون حق، ويطبق الأحكام على الناس جميعًا, هو الإسلام.

واقرأ إن شئت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, وتاريخ خلفاءه الذين تخرجوا في مدرسته, كيف كان تطبيقهم لهذا المبدأ, ولا يحابون فيه أحدا كائنا من كان.

ففي فتح مكة حدث أن سرقت امرأة من كبرى قبائل قريش, فضاق قومه بذلك ذرعا ليقينهم أن الخبر إذا بلغ الحاكم صلى الله عليه وسلم سيقيم عليها الحد, فتناجون الأمر بينهم ثم أمروا أسامة بن زيد ليشفع لها من الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن حبه, فجاء يشفع فيها إلي رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم فغضب عليه

(1) الدرة المختصرة: (29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت